الصفحة 130 من 155

الخلافة أم الحكومة [1] ؟

السؤال: إذا كان نظام الإسلام صالحًا للتنفيذ في القرن العشرين، فبأيهما يمكن أن يعالج على أمثل وجه وأفضله ما يجابه هذا النظام من المشكلات أو العوائق في حله محل الاتجاهات والنظريات الحديثة .. بالخلافة أم بالحكومة وهما نظريتا ابن خلدون للحكومة والدولة؟

الجواب: إذا استعرضنا الاتجاهات والنظريات التي تشكل عقبة كأداء في سبيل تنفيذ النظام الإسلامي في هذا الزمان علمنا جيدًا أن هذه الاتجاهات والنظريات ما خلقها إلا سيادة الأمم الغربية وغلبتها الطويلة على البلاد الإسلامية. إن الأمم الغربية لما استولت على بلادنا واستتب لها الأمر ألغت فيها قانوننا ونظامنا للتعليم والتربية، ونفذت قوانينها ونظمها للتعليم والتربية، ونحّت عن دوائرها الرسمية كل من كان من نتاج نظامنا للتعليم والتربية، وحصرت كل خدمة أو وظيفة فيها لمن تثقفوا تحت نظمها للتعليم والتربية وتخرجوا في مدارسها وكلياتها الحديثة. وهي إلى جانب ذلك أقامت في حياتنا الاقتصادية مؤسساتها، وطبقت فيها أساليبها، حتى أصبح ميدان الاقتصاد رويدًا رويدًا وقفًا على الذين حازوا ثقافة الغرب واصطبغوا بصبغة مدنيته وحضارته. فهي بهذا الطريق أنشأت فينا جيلًا هو منا ولكنه متنكر لحضارتنا ومدنيتنا ومبادئنا ونظرياتنا، جيلًا هو على جهل كلي بالإسلام وتاريخه وتعاليمه وتقاليده من ناحية سلوكه ومن ناحية اتجاهاته وأفكاره. هذا ما يمنعنا اليوم عن الرجوع إلى الإسلام كما هو المنشأ الأكبر للفكرة الباطلة القائلة بأن ليس الإسلام صالحًا للتنفيذ، وذلك أن هؤلاء الناس لا يعرفون الإسلام، ولا هم على استعداد لاتباع سبيله، وإنما نظام الحياة الذي من الممكن أن يحسبوه صالحًا للتنفيذ، هو ذلك النظام الذي قد أعدّوا له في معاهده. فما أمامنا الآن إلا سبيلان: إما أن نقرر في المجموع، لنرتد إلى الكفر ونقلع عن تضليلنا الدنيا باسم الإسلام، وإما أن نستعرض بكل تجرد وإخلاص وأمانة -لا بطريق من طرق النفاق والخداع- نظامنا الجاري للتعليم والتربية وندقق فيه النظر من كل جهة لنعرف جيدًا ما فيه من الأمور التي تحيد بنا عن طريق الإسلام، وما يجب أن ندخله عليه من التعديلات حتى نتمكن من إعداد رجال يصلحون لتسيير نظام إسلامي. ومن دواعي الأسف أن اللجنة التي ألفتها حكومة باكستان هذا العام، وجعلت مهمتها الوحيدة أن تستعرض مناهج التعليم الجارية، وتقترح بما يجب أن يدخل عليها من التعديلات -من دواعي الأسف أن هذه اللجنة ما أعارت هذه القضية ولا نظرة عاجلة، وهي قضية تستحق منا كل جد واهتمام، وهي ما دامت غير منحلة، كما هي الآن، فإن الطريق لنفاذ نظام الإسلام في بلادنا لن يتمهد أبدًا.

(1) تقدم بعض المحامين في باكستان إلى الأستاذ المودودي بطائفة من الأسئلة المتعلقة بالدولة الإسلامية، فرد عليها الأستاذ المودودي بتفصيل. ونظرًا لخطورة المواضيع التي أثيرت في الأسئلة أحببنا أن ندرجها مع أجوبة الأستاذ المودودي عليها في هذا الكتاب المرتب.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت