الصفحة 134 من 155

ومن الظاهر الآن أن هذا النظير الدستوري من نظائر ذلك الزمان، لا ينطبق بحال على أوضاعنا الحاضرة. فلا الحكام وأعضاء المجالس التشريعية في هذا الزمان بمثابة الخلفاء الراشدين وأعضاء مجلس شوراهم، ولا القضاة اليوم مثل القضاة في تلك الأيام، ولا التشريع اليوم يلتزم الحدود التي كان يلتزمها في ذلك العهد. لأجل هذا فلا مندوحة لنا اليوم من أن نقرر الضوابط لدستورنا في ضوء ما يحيط بنا من الظروف والأوضاع. ونخلق عندنا الظروف والأوضاع التي كانت نظائر عهد الخلافة الراشدة تنطبق عليها فعلًا قبل أن نبدأ الأخذ بهذه النظائر. وفي ظروفنا الحاضرة لا يجوز أن يترك القضاء النهائي في ما يتعلق بأمور الشريعة إلى المجلس التنفيذي ولا إلى المجلس القضائي ولا إلى المجلس التشريعي ولا إلى المجلس الاستشاري، إذ ليس كل واحد منها بمنزلة يعتمد عليها المسلمون اعتمادًا كاملًا في قضاياهم الدينية. ولا حيلة لهم البتة، لأن يأمنوا على أنفسهم شر الاجتهادات الماسخة، سوى أن يوقظوا رأيهم العام ويكونوا من حيث مجموعهم على استعداد لمقاومة كل اجتهاد مثل هذا. أما القضايا الدستورية العامة التي لا تزودنا فيها الشريعة بأحكام سلبية أو إيجابية، فلا يخلو من الخطر في ظروفنا الحاضرة أن نجعل القضاء النهائي في بابها من اختصاصات المجلس التشريعي، ولا بد لذلك أن تكون عندنا مؤسسة محايدة من وظيفتها أن تراقب أعمال المجلس التشريعي، وتنظر ما إن كان في إصداره قانونًا قد تعدى حدود الدستور؟ والظاهر أن المجلس القضائي هو الذي يصلح لأن يقوم بواجب مؤسسة محايدة كهذه.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت