السؤال: أيهما أحق لأن يكون تفسير الدستور من اختصاصاته: المجلس التشريعي أم المجلس القضائي؟ لقد كان هذا الحق من اختصاصات المجلس القضائي في دستورنا السابق [1] وقد جعل في دستورنا الجديد من اختصاصات المجلس التشريعي وحرم منه المجلس القضائي. ومن هنا نشأ الاعتراض بأن المحاكم قد حُدّ من صلاحياتها والواجب أن يكون هذا الحق من اختصاصاتها. وعلى هذا قال بعض الناس: إنما كانت وظيفة المحاكم في صدر الإسلام مقصورة في الفصل بين الناس والقضاء في دعاويهم. وما كان من اختصاصاتها أن تشرح القانون وتفسر أحكامه ولا أن تقول قولها في صحته أو بطلانه. فإلى أي حد ترون صحة هذا القول؟
الجواب: إن هذا الزمان قد تزايد فيه الميل إلى تطبيق نظائر صدر الإسلام على القضايا التشريعية والدستورية بكثرة، إلا أن الذين يستدلون بهذه النظائر يطرحون عن بالهم دومًا ذلك الفرق العظيم والبون الشاسع الذي هو موجود حقيقة بين مجتمع ذلك الزمان ومجتمع زمننا الحاضر، وبين حكام ذلك الزمان وحكام زمننا الحاضر.
لقد كان الخليفة أيام الخلافة الراشدة عالمًا كبيرًا بالكتاب والسنة، وكان المسلمون لشدة ورعه وسيرته الطاهرة يعتمدون عليه ويعتقدون أن اجتهاده في أي قضية من قضايا الحياة لن يحيد عن سبيل الإسلام، وكان أعضاء مجلس شوراه بدون استثناء أحد منهم يتشرفون بعضويته على أساس أنهم أكثر المسلمين علمًا بالدين وفهمًا لطبيعة نظامه، وما كان ليصل إلى زمرتهم جاهل بالدين أو محرف في أحكامه تبعًا لهواه، أو من يخشى منه المسلمون بدعة أو اتجاهًا غير إسلامي. ومع كل هذا فقد كان أكثر أفراد المجتمع في ذلك الزمان مصطبغين بصبغة الدين وما كان لأحد أن يتجاسر على إصدار أمر مخالف لأحكام الإسلام أو تنفيذ قاعدة مخالفة لروحه. وعلى هذا المستوى الرفيع كانت المحاكم في ذلك الزمان، فما كان يتربع على كرسي القضاء إلا من كانت له نظرة عميقة وبصيرة نافذة في الكتاب والسنة، وكان على شأو عظيم من الورع والأمانة والتقوى، وكان غير مستعد للانحراف عن أحكام الله ورسوله ولو قيد شعرة. فكانت العلاقة بين المجلس التشريعي والمجلس القضائي في ذلك الوضع على ما ينبغي أن تكون عليه في مجتمع كهذا. لقد كان القضاة فيه إنما يحكمون بين الناس ويفصلون في جملة دعاويهم بأحكام الكتاب والسنة مباشرة، وفي أغلب الأحيان كانوا هم أنفسهم يجتهدون في ما كانت الحاجة تدعو إلى الاجتهاد فيه من القضايا الناشئة، إلا إن كانت هذه القضايا تحوّل إلى مجلس شورى الخليفة لينظر فيها، ويحدّد حكمها، ويصدر في بابها باجتهاده الجماعي ضابطًا أوفق ما يكون لمبادئ الدين، وذلك في ما إذا كانت نوعية هذه القضايا تتطلب من القضاة أن لا يقضوا فيها باجتهادهم الفردي. فلم يكن هناك مبرر لأن يكون للقضاة حق في معاودة النظر فيما يضع مجلس الشورى من القوانين، إذا ما كان لهم حق في رفض قانون إلا على أساس أنه مخالف لأصل الدستور (أي القرآن والسنة) . وما كان ثمة قانون يوضع في قضية لها حكم واضح في القرآن والسنة، وإنما كان القانون يوضع في قضايا لا بد فيها من الاجتهاد، لكون حكمها غير منصوص عليه في القرآن والسنة. والظاهر في أمرها أن كان الاجتهاد الجماعي أكثر جدارة بالاعتماد عليه من الاجتهاد الفردي ولو كان اجتهاد بعض الأفراد يختلف عنه.
(1) أي دستور باكستان المنفذ فيها سنة 1956م والذي ألغاه أبواب خان سنة 1958م حين أعلن فيها الحكم العرفي (المترجم)