الصفحة 2 من 155

إن كل ما قد اخترع الإنسان حتى الآن -معتمدًا على بحثه وتنقيبه- من الأديان ومذاهب الحياة وطرقها، يجوز أن نقسمها جميعًا قسمين: قسم لتلك الأديان التي ما تولدت إلا من تصورات خيالية لا علاقة لها بجو المجتمع الإنساني العام، فهي لا تُعْجِبُ إلا النوازع المولعة بالغرائب والنوادر. وقسم لتلك المذاهب والطرق التي ما انبثقت إلا من أهواء النفس وشهواتها العارمة، فهي لا تعجب إلا حواس الإنسان وعواطفه. ونحن لا نشك في أن جميع هذه الأديان والمذاهب والطرق قد استخدم الإنسان في اختراعها القدر الكافي من العقل والكفاءة الفكرية والعلمية، ولكن من الحق في الوقت ذاته القول بأنه ليس العقل بباعثها ولا هي تخاطب العقل، ولا تقصد الحصول على النتائج العقلية؛ كأن ليس العقل والكفاءة الفكرية والعلمية عندها إلا أداة من الأدوات لاستخدامها في سبيل الحصول على الأغراض الدنيئة والمطالب السفلى. ويغمض النوع الأول منها نظره عن العالم المادي ويتوجه بتمامه إلى العالم الباطني ولا يستعين بقوى العلم والعقل إلا لاكتشاف أسباب ووسائل تحرر قوى النفس الباطنة وتمكنها من نيل المكاشفات واللذات الروحية والأمور الخارقة للعادة. ويغمض النوع الثاني -على العكس منه- نظره عن العالم الباطني ويتوجه بكل همه وعنايته إلى العالم المادي البحت، ولا يستعين بمواهب العلم والعقل إلا لاكتشاف طرق ومناهج توصله إلى الاستمتاع بأكبر قسط من الأسباب والوسائل المادية وأوفر قدر من الرفاهة والترف والمتعة لجسد الإنسان واللذات لحواسه. وجملة القول أن لا شك أن العلم والعقل خادمان لجميع هذه الأديان والطرق، ولكنها في حد ذاتها لا تقوم إلا على الجهل والسفاهة.

وإزاء تلك الأديان والطرق، هناك دين أرسله الله تعالى إلى عباده بواسطة أنبيائه ورسله. فهو الدين الوحيد الذي ظهر على أساس العلم، ويخاطب العقل في صميمه، ويهدف إلى إخراج الإنسان من ظلمات الجهل إلى نور العلم، ليعرف مكانته الحقيقية في الكون، ويدرك الجانب الحقيقي لعلاقته بالموجودات، ويستعين -على هدى من العلم والبصيرة- بكل ما له من الطاقات الظاهرة والكامنة والوسائل المادية والروحية لبلوغ الغاية الحقيقية لحياته، وهي القيام بالخدمة التي أوجبها الله عليه حينما جعله خليفته في الدنيا، وابتغاء مرضاة الله في الآخرة كنتيجة محتومة للقيام بهذه الخدمة على أتم وجه.

لا يعطل هذا الدين قوة من قوى الإنسان، بل يرشده لصرفها إلى طريق مستقيم، ولا يكبت شهوة من شهواته، بل يضع له حدًا مشروعًا معقولًا، ولا يحول دون تحقيق أفكاره في الفضاء الأعلى، بل يصف لتحليقها أحسن فضاء وأقوم جهة، ولا يعوق قواه العلمية عن اكتشاف الوسائل المادية والاستمتاع بها، بل يوجه هذا الاكتشاف والاستمتاع إلى الأغراض الصحيحة النزيهة. فكأنه بكل هذا يشغل كل إنسان فيما فطر عليه من الكفاءة، سواء أكان بطبعه ميالًا إلى المادية أم إلى الروحية، ويريد أن يحليه من العلم والتعقل بما يعينه على أن يتجنب طريق الإفراط والتفريط ويسلك طريق الاعتدال والقصد، ويعرف واجباته في الدنيا كإنسان، ويقوم بها على أحسن الوجوه، ويشعر بما عليه من الحقوق لله وللخلق ولنفسه ويؤديها خير الأداء، ولا يغرق في الجوانب الروحية لحد أن يتخذ المكاشفات الروحية واللذات الباطنة هي المحور لمساعيه وجهوده، ولا ينصرف إلى المادية حيث يجعل كل همه وجهده وكفاحه مقصورًا على اللذات الحسية والشهوات النفسية والسعادات المادية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت