الصفحة 3 من 155

يقوم هذا الدين على العلم والعقل قبل كل شيء وبعده، فلا يمكن أن يتبع اتباعًا صحيحًا إلا بالعلم والعقل. فمن كان لا يعرف روح هذا الدين، ولا يدرك حكمه وأسراره ولا يفهم مبادئه ولا يتأمل في توجيهاته، من المستحيل له قطعًا أن يسلك بالاستقامة ذلك الطريق الذي يرشد إليه هذا الدين ويدعو إليه الناس، ولا قيمة لعقيدته فيه ما لم تتجاوز إقراره باللسان إلى سويداء قلبه وتستولي على فكره وشعوره، ولا وزن لعمله بأحكامه ما لم يتشبع بروح المعرفة والبصيرة، ولا عبرة باتباعه لقانونه ما لم تسيطر روحه على ذهنه مع سيطرته على جوارحه. وهو إذا كان لا يؤمن بصدق هذا الدين إلا على التقليد الأعمى ولا يتبعه إلا على غير شعور منه، فما هذا الإيمان والاتباع إلا كريشة في مهب الرياح، فهي تعبث بها على هواها. لا يمكن أن يكون إيمان مثل هذا الجاهل واتباع مثل هذا الأعمى على شيء من الصمود والصلابة لأنه في استطاعة كل من أراد إضلاله أن يضله عن الصراط السوي، ويستطيع كل طريق خلاب أن يجذبه إليه، ويستطيع كل وهم خيالي ونظرية ملفقة أن تصدع بناء إيمانه وتهز أركان عقيدته. فهو إن كان من المحافظين يصر إصرارًا شديدًا على كل ضلالة يرثها عن آبائه، وإن كان ممن يولعون بالتطور والأخذ بكل جديد، يتخذ إلهه هواه ويتيه في كل طريق يزينه في عينه شيطان نفسه، وإن كان ضعيف الطبع لين العود، لا يلبث أن يستجيب لكل ناعق ويمشي وراء كل من يراه يقطع مدارج الكمال بأي وجه من الوجوه على طريق الحياة، وإن كان على كفاءة تمكنه أن يشق طريقه باجتهاده، فإنه يعول على الظن والمجازفة عند كل مفترق للطرق في رحلة الحياة بدل أن يستعين بالعلم والعقل لعدم معرفته بحقيقة الدين ولجهله بأصول القانون الرباني ولا بد في النهاية أن ينحرف عن الصراط المستقيم.

وجملة القول أن هذا الدين لا يمكن لأحد أن يتبعه ويبقى ثابتًا مستقيمًا في اتباعه إلا بقدر ما يكون له من العلم والبصيرة والنظر والفكر، لأنه بقدر ما ينال الكمال في هذه الجوانب ينال كمال درجاته عند الله.

أنظر نظرة في تاريخ هذا الدين، تتجلى لك حقيقة ما قلنا إلى الآن. فالله تعالى ما أرسل نبيًا إلى عباده وآتاه كتابه وشريعته، إلا وآتاه معهما شيئًا سماه (الحكمة) ليعلم عباده الكتاب ويجعلهم يتبعونه على بصيرة من الأمر. قال تباركت أسماؤه:"فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"وقال:"وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ"، وقال:"وَآتَيْنَاهُ الْحِكْمَةَ"وقال:"قَدْ جِئْتُكُم بِالْحِكْمَةِ". فما هذه الحكمة يا ترى؟ إنها نور العلم والبصيرة وملكة التدبر والتأمل في الكتاب والفقه في الدين ومعرفة أصوله وأسراره. فكلما جاء من الله نبي علّم أتباعه هذه الحكمة مع تعليمهم الكتاب. وبها ظلوا قائمين على الصراط المستقيم. ثم جاء عليهم عصر من الجهل والتقليد الأعمى غابت فيه الحكمة وبقي الكتاب، فظلوا إلى مدة يسلكون الطريق الذي تركهم عليه أسلافهم، وما معهم إلا الكتاب وحده، فنشأت فيهم القابلية للضلالات لأنه ما كان بقي عندهم ذلك الجوهر اللامع (أي الحكمة) الذي به يفهمون الكتاب وبه يميزون الضلالة من الحق والهداية من الغواية. فبذلك أخذت أقدامهم تنحرف شيئًا فشيئًا عن الصراط المستقيم، فاتبع بعضهم أهواء أنفسهم، واتبع بعضهم الظن والجزاف، واحتذى بعضهم آثار الأمم الضالة المضلة، واتخذ بعضهم أئمة السوء والضلال أربابًا من دون الله، حتى انقرض الكتاب مع الحكمة وتشوه وجه الدين الذي جاءت به الأنبياء والرسل وأصبح مجموعة تضم الخزعبلات والأوهام والخرافات والضلالات في التفكير والسلوك.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت