الصفحة 4 من 155

وما السبب في تشوه وجه الدين هكذا مرة بعد مرة، وضياع الكتب السماوية ووقوع التحريف فيها، وتطرق الضلالة بعد الهداية إلى الأمم إلا أن ليس الشيء الحقيقي في دين الله تلاوة ألفاظ الكتاب وممارسة الشعائر والمراسيم التعبدية في الظاهر فقط، بل إنما يتوقف أمره كله على الفهم الصحيح والعلم السديد لكتابه. فإذا ما بقيت في الناس الحكمة ظلوا يتدربون في الآيات الإلهية، ويسلكون على وجه من البصيرة ذلك الصراط المستقيم الذي أرشدهم إليهالأنبياء، وما استطاع أحد أن يضلهم عنه، ولكن لما أعوزتهم الحكمة نشأت فيهم القابلية للأمراض، فظهرت الأمراض في داخلهم وأغارت عليهم جراثيمها الوبائية من خارجهم، حتى تفرقت بهم آلاف مؤلفة من سبل الضلالة بعد أن أضاعوا كتاب الله وأهملوا قانونه.

وبعد فترة من الرسل جاء محمد صلى الله عليه وسلم بكتاب لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ولا يخاف عليه المسخ والتحريف، لأن الله تعالى قد جعل على نفسه حفظه وإبقاءه في صورته الصحيحة مهما حاول الإنسان محوه ومسخه وتحريفه، ولكن ليس مدار الانتفاع من هذا الكتاب والبقاء على الصراط المستقيم واجتناب الضلالات في العقيدة والعمل إلا على نفس ذلك الشيء الذي أقيم عليه بناء الدين منذ أول يومه أي العلم والعقل. ولا ريب أن كتاب الله وسنة رسوله خير هاد للإنسان في كل زمان وفي كل حال، ولكن لمن؟ للذين عندهم العلم والعقل، ويفهمون هداية الله ورسوله، ويتدبرونها ويستنيرون بنورها، ويسترشدونها في كل ناحية من نواحي الحياة. أما الذين فقدوا نعمة التفقه، وليسوا مسلمين إلا لأن آباءهم كانوا مسلمين، فلا استقامة لهم في الدين أصلًا. وهم دائمًا معرضون لخطر الضلالة. ولا يأمنون أبدًا أن تتفجر الضلالة من داخلهم أو تشن عليهم غارتها من خارجهم، وكاد أن ينحرف بهم عن الصراط المستقيم ما فيهم من الجهل والعمى، أو يتبعوا كالأعمى ضلالة من الضلالات الشائعة حولهم في العالم، لأنه ليس عندهم ذلك الشيء الذي يضمن لهم السير بكل استقامة على صراط الدين المستقيم. والقرآن لا يجعل السبب الحقيقي لضلال الإنسان وتنكبه عن طريق الله إلا شيئًا واحدًا، هو غفلته عن آيات الله. فها هو ذا ينبه الإنسان على ذلك مرة بعد مرة ويشدد عليه النكير بقوله:"إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِندَ اللّهِ الصُّمُّ الْبُكْمُ الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ" [1] .

وبقوله:"لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ" [2] وبقوله:"صَرَفَ اللّهُ قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُون" [3] . وبقوله:"لَأَنتُمْ أَشَدُّ رَهْبَةً فِي صُدُورِهِم مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَّا يَفْقَهُونَ" [4] . وبقوله:"أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا" [5] ، وبقوله:"أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ" [6] .

(1) الأنفال: 22.

(2) الأعراف: 179.

(3) التوبة: 127.

(4) الحشر: 13.

(5) محمد: 24.

(6) المؤمنون: 68.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت