الصفحة 76 من 155

إن الذين يسافرون من بلادنا إلى بلاد الغرب -أمريكا وأوربا- بهدف التجارة أوالتعليم أو غيرهما، تعرض لهم فيها مشكلة لا شك أنها من أعوص المشاكل الواقعية، وهي أنهم قلما يجدون في تلك البلاد للغذاء لحمًا حلالًا من الوجهة الإسلامية. فمنهم من لا شعور فيهم ولا حس بالحرام أو الحلال، فيأكلون كل نوع من اللحم يجدونه دون أن يشعروا في أنفسهم بأي غضاضة أو حرج في أكله، ومنهم من يقدمون قدمًا ويؤخرون أخرى في بدء الأمر، ولكن المشكلة تصرعهم أخيرًا فيشرعون في أكل كل لحم يتيسر لهم للغذاء ولو على الاعتقاد بحرمته في ذات أنفسهم، غير أن منهم -مع هؤلاء وهؤلاء- عددًا لا بأس به يحبون من صميم قلوبهم أن يلتزموا الحلال ويتجنبوا الحرام في غذائهم، ولهذا فإنهم يكتبون إلينا حينًا بعد حين، يسألون عما قد أقامت الشريعة من حدود الحل والحرمة في ما يجدون من اللحم للغذاء في تلك البلاد. وقد أجبنا على تلك الرسائل بالكتابة الشخصية إلى أصحابها، غير أن المشكلة قد أخذت صورة جديدة، بعد إذا علمنا أن بعض المسلمين في الخارج يأكلون اللحوم المقطوعة بآلات حادة بدون التذكية ولا التسمية، بناء عن فتاوى من بعض علمائهم.

وكشاهد على هذا الوضع العجيب نذكر في ما يلي رسالة بعث بها إلينا شاب باكستاني مقيم الآن في لندن لغرض التعليم، وهو مع هذه الرسالة قد بعث إلينا بفتويين لعالمين من علماء العراق تؤكدان جواز أكل اللحم المقطوع بدون التذكية ولا التسمية، وقد رأينا الحاجة تلحّ علينا بعد النظر في هذه الرسالة وفي الفتويين المذكورتين، أن ننشر تحقيقًا علميًا دقيقًا حول قضية اللحم الذي يجده شبابنا للغذاء في البلاد الغربية، حتى لا يتأثر الناس عندنا بمثل هذه الفتاوى، ولنعمل -على قدر إمكاننا- على إصلاح أفكار المسلمين في هذه القضية ولندعو المسلمين في البلاد الإسلامية الأخرى إلى إعادة النظر في هذه القضية.

رسالة الطالب الباكستاني:

"النزاع قائم على أشده في هذه الأيام بيني وبين بعض زملائي من طلبة الشرق الأوسط حول قضية اللحم الذي يوجد للغذاء في هذه البلاد، وقد حاولت إقناعهم بصحة ما لكم من الرأي في هذه القضية، وعرضت عليهم غير مرة واحدة وبأساليب متنوعة دلائلكم فيها، كما بينتموها في كتابكم"الرسائل والمسائل"إلا أنهم لم يقتنعوا بها، وأخيرًا طلب اثنان منهم الفتوى في هذه القضية من عالمين من علماء العراق، وأصرّا على أن أرسل إليكم بفتوى هذين العالِمين، لتقوموا بالرد على ما جاء فيهما من الدلائل، فها أنا ذا أرسل إليكم بهاتين الفتويين راجيًا منكم الجواب بأسرع ما يمكنكم."

وإني أتساءل: أجاء في القرآن والسنة طريق خاص للذبح أم أنه يجوز أيضًا ذبح الحيوان ببتر رأسه دفعة واحدة بآلة حادة -على ما يصنع القوم في هذه البلاد- إذا ذكر عليه اسم الله تعالى؟ ولأن مختلف البلاد الغربية رائجة فيها طرق مختلفة للذبح، فمن المتعذر جدًا لرجل مثلي أن يحكم على كل ذبيحة من ذبائح القوم بالحرمة، ما دام لا يحيط علمًا بتفاصيل كل طريق من طرقهم للذبح. ولهذا فإني لا أتكلم على أساس حرمة الميتة، وإنما أجعل مدار بحثي دائمًا الآيتين اللتين نهى في أولاهما عن أكل ما لم يذكر عليه اسم الله:"وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وإِنَّهُ لَفِسْقٌ"وفي ثانيتهما عن الذبح باسم غير الله:".. وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللّهِ ..".

تحقيق المسألة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت