إن الفتويين اللتين أرسلهما إلى الشاب الباكستاني من لندن، وهما لعالمين من علماء العراق، ليستا بشيء جديد في باب إباحة الذبيحة بدون التسمية والتذكية، فقد أفتى قلبهما بجواز ذبائح الكتابيين بدون تسمية ولا ذكاة فضيلة الأستاذ للشيخ حسنين محمد مخلوف وقبله الإمام محمد عبده وتلميذه العلامة السيد رشيد رضا. وإن الحجج والدلائل التي دعموا بها هذا الرأي، تكاد تكون واحدة، إلا أننا نرى من الواجب علينا أن نتبين ما هي المسألة في حد ذاتها قبل أن نتكلم على هذه الدلائل.
القيود المذكورة في القرآن والسنة بشأن الأغذية الحيوانية:
1 -إن أول هذه القيود أنه حرام علينا أن نأكل الميتة أو الدم أو لحم الخنزير أو ما أهل به لغير الله [1] . وقد ورد هذا الحكم في سورة الأنعام (آية 145) وسورة النحل (آية 115) من السور المكية، ثم أعيد في سورة البقرة (آية 173) من السور المدنية، وإن سورة المائدة التي هي آخر سورة نزلت فيها الأحكام، تضيف إليها أمرين.
الأول: إن الميتة ما هي التي تموت حتف أنفها فقط، بل كذلك المنخنقة (وهي التي تموت خنقًا) والموقوذة (وهي التي تضرب بعصا أو خشبة أو حجر فتموت) والمتردية (وهي التي تتردى من سطح أو تسقط في بئر أو هوة فتموت) والنطيحة (وهي التي تنطحها بهيمة فتموت) أيضًا أنواع الميتة فحرام علينا أن نأكل جميع هذه الألوان من الحيوان الميت.
والثاني: أن ما ذبح على النّصُب [2] ، حكمه في الحرمة حكم ما أهل به لغير الله، سواء أذكر عليه اسم الله أو اسم غيره.
أما النبي صلى الله عليه وسلم فقد أضاف إلى هذه الألوان المحرمة من اللحم لحم الحمار الأهلي ولحم كل ذي ناب من السباع ولحم كل ذي مخلب من الطير، كما هو ثابت عنه في غير واحد من الأحاديث الصحيحة [3] .
شرط التذكية لحل الذبيحة:
والثاني من هذه القيود أن الله يشرط لحل لحم حيوان أن يكون ذبحه بالتذكية. فقد قال تعالى في سورة المائدة"حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ". أي لا يخرج من حكم الحرمة إلا لحيوان الذي يموت بتذكيتكم. وأما في سائر الصور التي يموت فيها الحيوان بدون أن تذكره، فهو حرام لا يحل أكله.
فما هي هذه التذكية يا ترى؟ لا نعرفها من القرآن ولا تعيننا على تحديد مفهومها كتب اللغة إعانة كافية، فلا بد لنا لتحديد معناها من الرجوع إلى السنة. فالسنة فيها طريقتان لتذكية الحيوان: إحداهما في حالة الاضطرار، أي في ما إذا لم يكن الحيوان تحت تصرفنا كحيوان وحشي يهرب أو طائر يطير، أو كان تحت تصرفنا ولكننا لا نقدر على تذكيته على الصور المشروعة إما لشروده أو لسبب آخر، فلنا في هذه الحالة أن نرميه بشيء له حد يقطع أو يخرق، حتى يجرح جسده ويسيل منه الدم فيموت بالجرح الذي قصدناه، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم:"أمرر الدم بما شئت"، رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
وثانيتهما في حالة الاختيار، أي في ما إذا كان الحيوان تحت تصرفنا ونحن قادرون على أن نقتله كما نشاء، فعلينا في هذه الحالة أن ننحر الإبل ونحوها مما له رقبة طويلة، ونذبح غيرها كالبقر والغنم.
(1) والمراد به الحيوان الذي يذكر عند ذبحه اسم غير الله.
(2) النصب بضمتين: حجر نصب وعبد من دون الله، وجمعه أنصاب، وقيل: النصب جمع وأحدها نصاب. وقيل هي أصنام. وقيل: هي غيرها (المصباح المنير) .
(3) راجع كتاب الأطعمة والصيد والذبائح في نيل الأوطار.