أما النحر فهو أن نطعن الحيوان -وهو قائم- في حلقومه بشيء له نصل حاد كالحربة أو الرمح، فيتفجر منه الدم ويسيل حتى يسقط إلى الأرض ويموت. وقد كان هذا الطريق لتذكية الإبل معروفًا عند العرب شائعًا بينهم وجاء ذكره في القرآن (فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ) . ونعلم من السنة أن النبي صلى الله عليه وسلم ما كان يذكي الإبل إلا بهذا الطريق.
وأما الذبح فنعرف له من السنة ما يأتي من الأحكام:
عن أبي هريرة رضي الله عه قال بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم بُديل بن ورقاء الخزاعي على جمل أورق في فجاج منى"ألا إن الذكاة في الحلق واللبّة ولا تعجَلوا الأنفس أن تزهق"رواه الدارقطني. واللبة هي المنحر من البهائم، فمعنى كون الذكاة في الحلق واللبة أن ليست الذكاة من جهة القفا بل هي من جهة الداخل حتى ينقطع المنحر أولًا.
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن الذبيحة أن تُفرس رواه الطبراني، وذلك أن ينتهي الذابح إلى النخاع.
ورواية في هذا المعنى رواها الإمام محمد بن الحسن صاحب الإمام أبي حنيفة في المراسيل عن سعيد بن المسيب وفيها"أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تنخع الشاة إذا ذبحت"، ومعنى"أن تنخع الشاة إذا ذبحت"أن تذبح إلى النخاع.
فبناء على هذه الأحاديث وما جرى عليه العمل في عصر النبي صلى الله عليه وسلم وعهد الصحابة، تقول الحنفية: إن الذبح بين مبدأ الحلق إلى مبدأ الصدر، بأن يقطع الودجان (وهما عرقان كبيران في جانبي مقدم العنق) ويقطع الحلقوم (وهو مجرى النفس) والمريء (وهو مجرى الطعام والشراب) . وتقول المالكية:"يعرف الذبح بأنه قطع الحلقوم والودجين من المقدم". وتقول الشافعية:"الذكاة الشرعية هي قطع الحلقوم والمريء جميعًا". وتقول الحنابلة:"وتتحقق الذكاة الشرعية بقطع الحلقوم والمريء" (الفقه على المذاهب الأربعة ج1 ص725 - 730) .
فهذه الصور الثلاثة لذكاة الاضطرار والاختيار، التي جاء بيانها في السنة تفصيلًا لإجمال القرآن، مشتركة في أن الحيوان لا يموت فيها دفعة واحدة، بل العلاقة بين دماغه وجسده لا تزال قائمة فيها إلى آخر نفس من أنفاسه، وهو عندما يتحرك ويتقلب يخرج الدم من جملة أجزاء جسده كأنه لا يموت فيها إلا بنفاد الدم وانقطاع سيلانه. وإنه لما كان القرآن لم يفسر حكمه بنفسه وقد فسره من جاء بالقرآن (صلى الله عليه وسلم على ما بيناه آنفًا، لا بد من الاعتراف بأن الذكاة المأمور بها في قوله تعالى"إلا ما ذكيتم"هي هذه الذكاة ليس غير، وأن كل حيوان لا تتحقق فيه هذه الذكاة، لا يحل أكله.
وللذكاة صورة أخرى جاء بيانها في القرآن نفسه، وهي أن يقتل الحيوان كلب معلم بشرط أن يمسكه لصاحبه لا لنفسه، ففي هذه الصورة أيضًا تتحقق الذكاة في الحيوان، ولو مات بإمساك الكلب وتجريحه. يقول سبحانه وتعالى:"وَمَا عَلَّمْتُم مِّنَ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمُ اللّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ"، وقد شرح النبي صلى الله عليه وسلم هذه الآية بقوله:"فإن أمسك عليك فأدركته حيًا فاذبحه وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه فكله وإن أكل فلا تأكل"رواه البخاري ومسلم. وفي حديث آخر أنه صلى الله عليه وسلم قال:"وإن أكل منه فلا تأكل فإنما أمسك على نفسه"رواه البخاري ومسلم وأحمد. وفي حديث ثالث أنه صلى الله عليه وسلم قال:"وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل"رواه البخاري ومسلم.