نعلم بهذا أن قتل الكلب المعلّم حيوانًا لصاحبه، يحقق شرط الذكاة بموجب بيان القرآن، ولهذا فإنه يخرج من الحرمة المبينة في قوله تعالى، وما أكل السبع"إلى حكم الاستثناء المبين في قوله تعالى:"إلا ما ذكيتم". إلا أن القرآن إنما يبين هذا الحكم بالنسبة للكلب المعلم، والنبي صلى الله عليه وسلم يخرج منه حتى الكلب الأهلي غير المعلم للصيد. فلهذا لا يجوز أن يقاس على الكلب المعلم شيء آخر ثم يُستحل ما يجرحه أو يقتله من الحيوانات، لأن ألفاظ الحديث"وما صدت بكلبك غير معلم فأدركت ذكاته فكل"واضحة في الدلالة على أن كل صورة غير الذكاة إذا مات فيها الحيوان، فهو في حكم الميتة."
3 -شروط التسمية لحل الذبيحة:
والشرط الثالث الذي يبينه القرآن لحل الذبيحة هو أن يذكر عليها اسم الله.
قد ورد هذا الحكم بعدة مواضع من القرآن وبطرق مختلفة، فقد قيل على الوجه الإيجابي"فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ إِن كُنتُمْ بِآيَاتِهِ مُؤْمِنِينَ" (الأنعام: 118) . وقيل على الوجه السلبي"وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ" (الأنعام: 121) . وقيل أيضًا بالنسبة لما يمسكه الكلب المعلم"فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ" (المائدة: 4) .
ثم إننا لننظر فوق هذا، أن القرآن في كثير من آياته لا يستعمل كلمة الذبح ويكتفي باستعمال ألفاظ"ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ"كاصطلاح دال على معنى الذبح، كما هو في آية"لِيَشْهَدُوا مَنَافِعَ لَهُمْ وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ فِي أَيَّامٍ مَّعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ" (الحج: 28) ، وآية"وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَى مَا رَزَقَهُم مِّن بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ" (الحج: 34) ، وآية"فَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا صَوَافَّ" (الحج: 36) ، وآية"فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ" (الأنعام 118) ، وآية"وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ" (الأنعام: 121) .
فهذا الاستعمال المتعاقب المتسلسل لاصطلاح التسمية في هذه الآيات دليل واضح على أن الذبح والتسمية كلمتان لا تدلان إلا على معنى بعينه في نظر القرآن، فلا نكاد نتصور ذبيحة مشروعة بدون أن يذكر عليها اسم الله.
ثم تعال ننظر أي أهمية شرعية تظهر للتسمية من الأحاديث الثابتة عن النبي صلى الله عليه وسلم بطرق قوية في هذا الباب:
كان عدي بن حاتم الطائي رجلًا كثير الصيد وكثيرًا ما كان يراجع النبي صلى الله عليه وسلم في مسائل الصيد، فالأحكام التي تلقاها عن النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الصدد، هي ما يأتي:
"إذا أرسلت كلبك فاذكر اسم الله، فإن أمسك عليم فأدركته حيًا فاذبحه، وإن أدركته قد قتل ولم يأكل منه شيئًا فكل ... وإذا رمي فاذكر اسم الله"رنواه البخاري ومسلم.
"وما صدت بقوسك فذكرت اسم الله عليه فكل، وما صدت بكلبك المعلم فذكرت اسم الله عليه فكل"رواه البخاري ومسلم.
"أمرر الدم بما شئت واذكر اسم الله"رواه أبو داود والنسائي وغيرهما.
"ما علمت من كلب أو باز ثم أرسلته وذكرت اسم الله عليه فكل مما أمسك عليك"رواه أحمد وأبو داود.
يقول عدي بن حاتم قلت -أي للنبي صلى الله عليه وسلم- إني أرسل كلبي أجد معه كلبًا آخر لا أدري أيهما أخذه، قال عليه الصلاة والسلام"فلا تأكل فإنما سميت على كلبك ولم تسم على غيره"رواه البخاري ومسلم وأحمد.