وأما آية:"وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ". فتقول الشافعية إن الذي تقتضيه البلاغة أن جزءها"وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ"ليس معطوفًا على جزئها"وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ"إذ الأولى من هاتين الجملتين فعلية إنشائية والثانية إسمية خبرية، ولا يجوز أن تكون جوابًا لمكان الواو فتعين أن تكون حالية فتقيد النهي بحل كون الذبح فسقًا والفسق في الذبيحة مفسر في كتاب الله بما أهل لغير الله به كما في آية سورة الأنعام رقم 145 [1] .
فهذا التأويل ضعيف جدًا في نظرنا ومن الممكن أن يوجه إليه ما يأتي من الاعتراضات القوية:
1 -ليس معنى الآية المتبادر إلى الذهن ما قد جُعل لها بحسب هذا التأويل، حيث أن الذهن لا يلتفت إليه بنفسه عند تلاوة هذه الآية، غير أن الإنسان إذا وطد نفسه مقدمًا على أن يستحل ذبيحة لم يذكر عليها اسم الله، فإن له أن يخلع هذا المعنى على الآية بتكلف.
2 -إن البلاغة إذا كانت تقتضي ألا تكون الجملة الإسمية الخبرية معطوفة على جملة فعلية إنشائية، وإنكم لهذا تجعلون جملة."وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ"جملة حالية، فهل تستسيغ البلاغة أن تبدأ هذه الجملة وهي حالية بـ"إن"المشددة ولام التأكيد؟ وعندناأن الله لو أراد أن يقول ما تقوله الشافعية لقال"وهو فسق"بدل أن يقول"وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ".
3 -إننا حتى لو سلمنا بأن الواو في جملة"وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ"حالية، ما نجونا من عطف الجملة الإسمية الخبرية على الجملة الفعلية الإنشائية، لأن جملة"وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ"... الآتية بعد"وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ"والمعطوفة على جملة"ولا تأكلوا"... إسمية خبرية لا يمكن تأويلها على الحالية بأي وجه من الوجوه. ثم إنه قد وردت الجمل الاسمية الخبرية معطوفة على الجمل الفعلية الإنشائية في غير واحدة من آيات القرآن الأخرى، كما هو في آية"فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ" (النور: 4) أو آية"وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ" (البقرة: 221) مثلًا.
4 -إن معنى الآية -بحسب هذا التأويل- أن لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إذا كان فسقًا وذكر عليه اسم غير الله يقينًا"أي ليس الذي لا يذكر عليه اسم الله، بحرام ما لم يذكر عليه اسم غيره".
قل لي بالله إننا إذا صوبنا هذا، فهل يبقى مفهوم ما لقوله تعالى:"وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ"؟ ولعمر الحق إنه لو لم يكن المقصود من هذه الآية إلا بيان حرمة ما يذكر عليه اسم غير الله، لما كانت ثمة حاجة لإيراد هذه الجملة في الآية وكفى أن يقال:"لا تأكلوا مما ذكر عليه اسم غير الله"أو"لا تأكلوا مما أهل به لغير الله"، وهل لأحد أن يبين لنا حاجة معقولة تقتضي إيراد جملة"ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه في هذه الآية إذا وافقنا الشافعية على تأويلهم؟"
(1) مغني المحتاج ج4 ص272.