5 -إنه لا حاجة بنا أن نفسر قوله تعالى:"وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ"بآية بعيدة الوقوع في سورة الأنعام، لأنه لا يمنعنا شيء -حتى لو جعلنا الواو فيه حالية- أن نفسر كلمة الفسق بمعناها اللغوي المعروف أي العصيان والخروج عن الطاعة. إن معنى الآية في هذه الصورة -أي إذا جعلنا الواو حالية وفسرنا الفسق باالعصيان والخروج عن الطاعة- أن لا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه إذا كان فسقًا أي احتُرز عن ذكر اسم الله عليه عمدًا، لأن الفسق إنما يطلق على مخالفة أمر الآمر عمدًا، لا على مخالفته سهوًا. فهذا التأويل للآية أقرب للصواب وأكثر وزنًا وأجدر بالاختيار من تأويل الشافعية، لأنه أولًا يتفق مع سائر ما في هذه المسألة من الآيات والأحاديث، وثانيًا تسلم به الجملة الأولى من الآية من التعطل ومن كونها زيادة غير ضرورية.
هذه هي حقيقة الدلائل التي تحتج بها الشافعية في اعتبارهم التسمية على الذبيحة غير واجبة. ولعمر الحق إنه من المحال أن يتأمل فيها أحد، ثم يبقى لا يشعر بما هي عليه من الضعف والوهن بالنسبة للدلائل على وجوب التسمية.
إذن فالشروط الثابتة من القرآن والأحاديث الصحيحة لحل لحم الحيوانات، هي ما يأتي:
1 -ألا يكون مما قد حرمه الله ورسوله في حد ذاته.
2 -أن يكون مما تحقق ذكاته على الوجه المشروع.
3 -أن يكون مما ذكر اسم الله عليه عند ذبحه.
فكل لحم لا تتوفر فيه هذه الشروط الثلاثة، خارج من دائرة الطيبات ومعدود من الخبائث، التي لا يحل أن يتعاطاها رجل يؤمن بالله واليوم الآخر.
مسألة ذبيحة أهل الكتاب:
هذا، وعلينا أن ننظر الآن في ما قد ورد في القرآن والسنّة من الأحكام عن ذبائح أهل الكتاب خاصة.
يقول سبحانه وتعالى:"الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ" (المائدة: 50) . فألفاظ هذه الآية واضحة في الدلالة على أنه ما أبيح لنا أن نأكل من طعام أهل الكتاب إلا ما كان طيبًا ذكر عليه اسم الله تعالى، ولا تدل هذه الآية -ولا يمكن أن يستدل بها بحال- على أنه يحل لنا أن نأكل على مائدة آل الكتاب حتى الأشياء التي هي من الخبائث -بموجب دلالة القرآن والأحاديث الثابتة- والتي من الحرام علينا أن نأكلها أو نؤكلها أحدًا على مائدتنا أو مائدة أي رجل من المسلمين. يقول العلامة ابن كثير عند تفسير هذه الآية:"هذا أمر مجمع عليه بين العلماء أن ذبائح أهل الكتابين من اليهود والنصارى حلال للمسلمين لأنهم يعتقدون تحريم الذبح لغير الله ولا يذكرون على ذبائحهم إلا اسم الله"ويقول ردًا على مكحول الذي يقول بإباحة ما لم يذكر اسم الله عليه من طعام أهل الكتاب:"وفي هذا الذي يقول به مكحول رحمه الله نظر، لأنهم يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم وهم متعبدون بذلك، ولهذا لم تبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم". ثم يحكى عن علي رضي الله عنه أنه قال:"لا تأكلوا ذبائح بني تغلب -قبيلة للنصارى العرب- لأنهم إنما يتمسكون من النصرانية بشرب الخمر". ثم يقول:"وكذلك قال غير واحد من السلف والخلف".
هذا هو المفهوم البسيط الذي يدل عليه صريح ألفاظ الآية. أما إذا أراد المرء أن يؤول الآية، فمهما كان الأمر، فغاية ما يستطيعه أن يأتي بأحد التأويلات الأربعة الآتية: