الصفحة 84 من 155

الأول: أن هذه الآية قد نسخت سائر تلك الآيات التي وردت عن حل اللحم وحرمته في سور النحل والأنعام والبقرة بل وفي نفس سورة المائدة التي وردت فيها هذه الآية، أي أنها -بكلمات أخرى- ما أباحت قتل الحيوان بلا تذكية ولا تسمية، بل أباحت كذلك الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله إباحة مطلقة.

ولكن هل من الممكن أن يؤتى بدليل عقلي أو نقلي واحد على هذا النسخ؟ إن أكبر ما يدل على سخافة هذه الدعوى بالنسخ، أن القيود الثلاثة في باب اللحم، التي ذكرناها آنفًا، قد جاء بيانها في سورة المائدة وفي نفس سياق الكلام في الآيات المتصلة بهذه الآية، فكيف لرجل أن يقول إذا كانت عبارة ما مشتملة على ثلاث جمل متصلة متسلسلة، أن الجملة الأخيرة منها ناسخة للجملتين الأوليين؟

والثاني: أن هذه الآية إنما نسخت أحكام التذكية والتسمية ولم تنسخ حكم حرمة الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل به لغير الله.

ولكن يا ليت شعري هل هناك دليل على هذا التفريق بين نوعين من أحكام القرآن ثم على نسخ أحدهما وبقاء ثانيهما سوى هذه الدعوى؟

والثالث: أن هذه الآية قد فرقت بين مائدة المسلمين ومائدة أهل الكتاب بحيث إن جميع القيود التي وردت في مختلف المواضع من القرآن عن الأكل والشرب، مفروضة على مائدة المسلمين ملغاة على مائدة أهل الكتاب. فمن المباح لنا أن نأكل عليها كل ما يقدمون إلينا هنيئًا مريئًا.

إن أكبر ما يستدل به على صحة هذا التأويل ووجاهته، هو أن الله تعالى كان يعلم ما يأكله أهل الكتاب، فهو إذا أباح لنا أكل طعامهم على هذا العلم فمعنى ذلك أنه من المباح لنا أن نأكل عندهم كل ما يأكلون سواء أكان ميتة أو لحم خنزير أو ما أهل به لغير الله. إلا أن هذا الاستدلال تهدمه نفس الآية التي يستخرج منها هذا الدليل، إذ هي لا تبيح لنا أن نأكل من طعام أهل الكتاب إلا الطيبات، وفوق هذا فإن القرآن لم يترك ولا كلمة الطيبات دون أن يشرحها في آيتين واضحتين قبل هذه الآية.

والرابع: أنه لا يجوز لنا أن نأكل الخنزير على مائدة أهل الكتاب، ويجوز لنا أن نأكل ما سواه -أو أنه لا يجوز لنا أن نأكل على مائدة أهل الكتاب الخنزير والميتة والدم وما أهل به لغير الله ويجوز لنا أن نأكل كل ما يقدمون إلينا من غير هؤلاء من الحيوانات ولو بدون التذكية والتسمية.

إلا أننا نرى أنه من المحال للذين يقولون بهذا التأويل، أن يستشهدوا بشيء عقلي أو نقلي يبرر لهم هذا التفريق بين أحكام القرآن، الذي بموجبه يبقى حكم القرآن قائمًا ثابتًا ويرتفع غيره على مائدة أهل الكتاب. فإن كان هذا التفريق وهذا الاستثناء مأخوذين من القرآن، فمن أي آية من آياته؟ وإن كانا مأخوذين من السنة، فمن أي حديث من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم؟ وأما إن كان دليل عقلي، فأتوا به.

مذاهب الفقهاء في ذبائح أهل الكتاب:

قد اختلف الفقهاء في هذه المسألة على مذاهب، فعند الحنفية والحنابلة يشترط لحل ذبيحة الكتابي ما يشترط لحل ذبيحة المسلم، فلا يحل لمسلم عندهم أن يأكل اللحم على مائدة أهل الكتاب إذا لم تتحقق ذكاته ولم يذكر عليه اسم الله، كما لا يحل له أن يأكل مثل هذا اللحم في بيته.

وعند الشافعية تحل ذبيحة أهل الكتاب سواء ذكروا عليها اسم الله أو لم يذكروه بشرط أن لا يذكروا عليها غير اسم الله، وذلك لأن التسمية ليست شرطًا عندهم لحل ذبيحة المسلم ولا لحل ذبيحة الكتابي. وقد بينا فيما سبق ما في هذا المذهب من الضعف فلا حاجة بنا إلى إعادته ههنا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت