وعند المالكية أنالتسمية وإن كانت شرطًا لحل ذبيحة المسلم ولكنها ليست بشرط لحل ذبيحة الكتابي، فيجوز للمسلم عندهم أن يأكل من ذبيحة أهل الكتاب، حتى ولو لم يذكروا عليها اسم الله. وإن الشيء الوحيد الذي يحتجون به لمذهبهم أن النبي صلى الله عليه وسلم قدم له اليهود شاة مسمومة، فأكل منها ولم يسأل إن كانوا قد ذكروا عليها اسم الله أم لم يذكروه. وعندي أن الاحتجاج بهذا الحادث لنفي وجوب التسمية بالنسبة لأهل الكتاب إنما كان صحيحًا لو ثبت أن اليهود في ذلك الزمان ما كانوا يذكرون اسم الله على ذبائحهم، وأن النبي صلى الله عليه وسلم رغم علمه بهذا أكل من ذبيحتهم، وأما مجرّد أنه أكل من ذبيحتهم ولم يسألهم عن التسمية، فلا يجوز أن يكون دليلًا على استثناء أهل الكتاب من حكم وجوب التسمية، فإنه عسى أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم يعرف عن أهل الكتاب في زمانه أنهم لا يذبحون ذبائحهم إلا بذكر اسم الله عليها وإنه لهذا أكل من ذبيحتهم دون أن يسألهم عن التسمية عليها. وقد ذكرنا فيما مضى قول ابن كثير:"إن أهل الكتاب -في ذلك الزمان- كانوا يذكرون اسم الله على ذبائحهم وقرابينهم، وكانوا متعبدين بذلك، ولهذا فإن الله تعالى لم يبح ذبائح من عداهم من أهل الشرك ومن شابههم لأنهم لا يذكرون اسم الله على ذبائحهم [1] ."
وقد روى عن ابن عباس أنه قال (فكلوا مما ذكر اسم الله عليه -ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه) فنُسخ واستثنى فقال (طَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلُّ لَّهُمْ) [2] .
إلا أن هذا الرأي إنما هو رأي شخصي لابن عباس، وما هو بحديث مرفوع عن النبي صلى الله عليه وسلم على ما في إسناده من المقال [3] . ثم إن ابن عباس لا يؤيده على هذا الرأي أحد غيره من الصحابة. وإنه -فوق هذا- لم يبين فيه سببًا معقولًا لنسخ آية"وَطَعَامُ الَّذِينَ ..."آية"وَلاَ تَاكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ".
ثم لماذا اقتصر هذا النسخ على هذه الآية وحدها دون سائر ما في الشريعة من القيود في الأكل والشرب؟
وقد ذهب عطاء في هذه المسألة إلى أن الله سبحانه وتعالى بقوله"وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ"أحل ما أهل به لغير الله. وقال الأوزاعي"إذا سمعته -أي الكتابي- يرسل كلبه باسم المسيح أكل"وقال إن مكحولًا ما كان يرى بأسًا بأكل ما يذبح أهل الكتابين لكنائسهم وأعيادهم. وهذا هو قول الليث بن سعد. أما الذي يستدل به هؤلاء على هذا القول العظيم، فإنما هو أن الله تعالى كان يعلم ما يفعله أهل الكتاب ومع هذا فإنه أحل للمسلمين أكل طعامهم. ونقول إن الله كان يعلم أيضًا أن النصارى من أهل الكتاب يأكلون الخنزير ويشربون الخمر، فلماذا لا نستخرج من آية"وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَّكُمْ"حكم إباحة الخنزير والخمر أيضًا؟
(1) بل لا يزال اليهود يلتزمون التسمية والتذكية في ذبائحهم أينما كانوا في أقطار الأرض حتى في هذا العصر، وإن طريقتهم للذبح مشابهة إلى حد كبير بطريقة المسلمين.
(2) رواه أبو داود في باب ذبائح أهل الكتاب.
(3) راجع معالم السنن للخطابي: باب ذبائح أهل الكتاب.