الصفحة 86 من 155

فأصح وأقوى هذه المذاهب عندنا مذهب الحنفية والحنابلة. أما من أراد أن يتبع المذاهب الأخرى، فليتبعها على مسؤوليته، إلا أنها -كما بينا آنفًا- ضعيفة الدلائل وليس من السهل أن يثبت بها حل حرام أو ينفي وجوب واجب، فمن المتعذر على أن أشير على أحد يؤمن بالله ويرجو حسابه بأن يستند إلى أحد هذه المذاهب ويأكل بكل طمأنينة وانشراح صدر ما يوجد في أوروبا وأميركا من اللحم المقطوع ببتر رأس الحيوان دفعة واحدة بآلات حادة وبدون أن يذكر عليه اسم الله تعالى.

هذا، وأريد أن أوضح لكم في الختام أمرين مهمين:

الأول: إنه قد يحدث أحيانًا عند ذبح الطيور الصغيرة كالدجاجة والحمامة مثلًا، أن رؤوسها تنفصل عن أجسادها لأجل السرعة وعدم الحيطة في ذبحها فقد قال فريق من الفقهاء في مثل هذه الذبيحة أن لا بأس بأكلها. وقد اعتمد على هذا القول بعض العلماء في زماننا وأفتوا على أساسه بأن شرط الذكاة يتحقق حتى في ذبيحة قوم ليس عندهم لذبح الحيوانات إلا طريقة واحدة هي بتر رؤوسها دفعة واحدة بآلات حادة. فما كل هذا في نظرنا إلا تلاعب بالشريعة، إذ كيف يجوز التحريف في أحكامها المنصوص عليها في القرآن والسنة بمجرّد الاعتماد على أقوال بعض الفقهاء؟ وإننا قد ذكرنا آنفًا أحكام الشريعة في باب التذكية، كما ذكرنا أيضًا النصوص التي تقوم عليه هذه الأحكام، فكيف يجوز أن نترك هذه الأحكام المحكمة إلى أقوال لبعض الفقهاء، ليس مصدرها إلا اجتهادهم، ولا مبعثها إلا محاولتهم في إخراج الصور السهلة للناس إذا ما عرضت لهم -فجأة على غير إرادة منهم- قضية لا تتفق مع هذه الأحكام؟

والثاني: إن الفقهاء قالوا -وهم على حق- أنه لا يجب أن نحقق عن كل ذبيحة للمسلم أو الكتابي، هل قد ذكر عليها اسم الله أو لم يذكره، غير أننا إذا علمنا إيجابًا أنه لم يذكر عليها اسم الله عمدًا، وجب أن نحترز عن أكلها. فعلى أساس هذا القول للفقهاء قد أفتى بعض العلماء في زماننا بأن اللحم الذي يوجد في أسواق أمريكا وأوروبا، لا يجب علينا أن نحقق عنه شيئًا لأنه من ذبيحة أهل الكتاب، وعلينا أن نأكله بمثل الطمأنينة التي نأكل بها اللحم الذي يوجد في أسواق المسلمين في البلاد الإسلامية الشرقية. وهذا إنما يصح عندنا إذا كان معلومًا عن طائفة من أهل الكتاب أنهم متعبدون بالتسمية، ولا يذبحون ذبائحهم إلا بها من حيث عقيدتهم، ولا يكاد يصح بحق قوم نعلم عنهم علم اليقين أنهم لا يقولون بمثل هذه القيود في مآكلهم ومشاربهم بل هم يقولون أن التسمية لا دخل لها أبدًا في حل الذبيحة وحرمتها، فأي أساس عسى أن يكون للطمأنينة بأكل ذبيحتهم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت