الصفحة 87 من 155

إننا إذا صرفنا النظر عما قد استحدث في الحياة الاجتماعية من الكماليات ومظاهر الترف والتأنق، ونظرنا إلى اللباس بعين الاحتياج المجرد الذي حمل الإنسان على اختياره بادئ ذي بدء، فما هو إلا شيء يستر عن الأنظار أعضاء مخصوصة من جسد الإنسان بمقتضى من عاطفة الحياة الفطرية، ويحفظه دون عاديات الجو وتقلباته. فكل لباس يحقق للإنسان هاتين الحاجتين الأساسيتين، يجب أن يكون واحدًا بعينه في صورته البسيطة، إذ ليس لأفراد البشر جميعًا إلا أجساد متجانسة، وما الطرق السهلة المتبادرة إلى الذهن لسترها إلا متشابهة. وغاية ما يمكن أن يكون من الفرق بين مختلف أشكاله وأنواعه على أساس ما يطرأ على الجو من تغيرات الفصول، هو أن يكون لباس الناس خفيفًا وساترًا لأقل ما يمكن من أعضاء الجسد حيث يكون الجو حارًا، ومتينًا وساترًا لأكثر ما يمكن من أعضاء الجسد حيث يكون الجو باردًا قارصًا.

وكل ما انتهى إلينا من المعلومات عن الإنسان القديم، يخبرنا: أن اللباس لما كان مبنيًا على مقتضيات الفطرة البدائية وحاجات الإنسان المجردة، ما كان هناك تنوع كثير في صوره ومظاهره. وإن كان، فعلى أساس الاختلاف في تأثير الجو في مختلف بلاد الأرض في أغلب الأحوال. ولكن لما تطور شعور الإنسان شيئًا فشيئًا، وخطا إلى المدنية والحضارة، وأقام الصناعات واكتشف الوسائل الجديدة، ونمت في طبيعته الملكة الفطرية المعروفة"بالذوق"بدأ يتدرج في النزوع إلى حاجات جديدة فوق حاجاته الأساسية البدائية. ولما كانت هذه التأثيرات الجديدة في مختلف الأمم مختلفة كمًا وكيفًا فكل ما أضيف إلى اللباس البدائي الفطري من زيادات وتحسينات، لم يكن بد من تنوعه في الكم والصورة من أمة لأخرى.

أما الأسباب والدواعي المتعددة -مهمة كانت أو تافهة- التي يرجح إليها نشوء مختلف أشكال اللباس، فمن المحال الإحاطة بها علمًا ودراسة، لأن حياة الأمم الجماعية وحياة أفرادها الشخصية تتأثر بما لا يأتي تحت الحصر والتسجيل من العوامل الداخلية والخارجية عبر آلاف مؤلفة من السنين. بل إن بعض هذه العوامل تكون من الدقة واللطافة، حيث يمكن الشعور بها أصلًا. بيد أننا إذا صرفنا النظر عن الفروع والجزئيات، وركزنا جهودنا في استقصاء العوامل المهمة البارزة التي لأجل تأثيرها نالت مختلف صور اللباس الرواج في مختلف الأمم، فإنه من الممكن توزيعها تحت العناوين الثمانية الآتية:

1 -الظروف الجغرافية: التي تجبر سكان منطقة خاصة من مناطق الأرض على اختيار نوع خاص من اللباس وأسلوب المعيشة.

2 -الأفكار الخلقية والدينية: التي لأجل اختلافها يكون لباس النساء في كل أمة مختلفًا عن لباس الرجال.

3 -الذوق الفطري: الذي ينمو في كل أمة على طرق متباينة ويكون من نتائج ذلك، اختلاف مقاييس الاختيار باختلاف الأمم عن مقياس اختيار أمة أخرى.

4 -أسلوب المعيشة: الذي ينمو ويترقى في كل أمة بصورة معينة، تتلاءم مع ما لتلك الأمة من ظروف جغرافية ومدنية واقتصادية وفكرية ومعنوية، ولذا فإن كل أمة لا تختار من اللباس بطبيعة الحال إلا ما يناسب أسلوبها العام للحياة الاجتماعية.

5 -الوضع الاقتصادي: وهو عبارة عما لكل أمة من وسائل المعيشة العامة والمهن والصناعات والوضع المالي من الفقر أو الغىى، فلا يكون لباس كل أمة إلا منسجمًا مع ظروفها هذه، ومع تغيرها يتغير لباسها بحكم الفطرة.

6 -الحضارة: التي تكون كل أمة في بابها على مستوى معين، ويمتاز بها عن غيرها، ويجعل لباسها المساير لمعايير هذه الحضارة يختلف عن لباس غيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت