7 -التقاليد القومية: التي بموجبها يرث كل جيل جديد عن أسلافه نوعًا خاصًا من أسلوب المعيشة وصورة خاصة للباس، ثم يتركهما للجيل القادم مع إدخاله عليهما شيئًا من التعديل. وهذا التسلسل لمظاهر الحياة في واقع الأمر يكون كفيلًا لبقاء تلك الأمة وتسلسل كيانها القومي، ولذا فإنه عزيز لدى كل أمة.
8 -المؤثرات الخارجية: التي تنطبع بها أفكار كل أمة وأسلوبها للحياة بحكم احتكاكها مع الأمم الأخرى. أما إلى أي حد وبأي وجه تتأثر هذه الأمة بالأمم الأخرى، فذلك يتوقف -إلى حد كبير- على ظروفها السياسية والفكرية والخلقية.
فهذه هي العوامل الكبيرة المهمة التي لها حكم صارم واستيلاء شامل، لا على لباس كل أمة فحسب، بل على حياتها الاجتماعية بكاملها. ولا يكون لباس كل أمة إلا نتيجة لتفاعلها معها. وعلى ضوء هذا الاستقصاء، إذا نظرنا في مسألة لباسنا القومي، قفزت إلينا حقيقتان رئيسيتان:
الأولى: أن ليس اللباس بأداة خارجية لستر بعض أعضاء الجسد ووسيلة لحفظ الجسد من عاديات الجو فحسب، بل له -فوق هذا وذاك- جذور متأصلة في نفسية كل أمة وحضارتها ومدنيتها وتقاليدها وسائر شؤونها الاجتماعية، وهو في واقع الأمر مظهر لتلك الروح التي تعمل عملها في جسد تلك الأمة، وهو لسانها الذي بها تنطق به قوميتها، ويعرّف الدنيا على شخصيتها الاجتماعية.
والثانية: أن كل العوامل التي تعمل وراء اللباس -ما خلا الظروف الجغرافية- عرضة للتغير والانقلاب في كل أمة بين حين وآخر، بسرعة غير محسوسة -إذ ليس فيها شيء ساكن أو جامد بكل شيء فيها قابل للتغير، وأن تطورها لا يؤثر في لباس الأفراد فحسب، بل هو يؤثر -كذلك- في حياتهم الاجتماعية شيئًا فشيئًا. إن أية أمة متعطشة للرقي متطلعة إلى التقدم، حينما تنتشر فيها العلوم والفنون وتتنوّر أفكارها، وتتفتح نظرياتها، وتزدهر فيها الصناعة والتجارة بخطوات واسعة، ويقبل عليها الغنى والرفاهية من الوجهة الاقتصادية، وتتاح لها الفرص للاحتكاك بالأمم الأخرى وتتلقى منها الدروس في الأخلاق والحضارة المدنية وما إليها. تنشأ في حياتها الاجتماعية رويدًا رويدًا -شاءت أم لم تشأ- حركة تطورية، وتتغير عواطفها ويتهذب ذوقها، ويدخل الجمال والنظام في أسلوبها للحياة، ويعلو مقياسها للأدب والتهذيب، ويحدث فيها الميل إلى اختيار الطرق العصرية الجديدة لسد الحاجات الجديدة، ويظهر فيها الاحترام للتقاليد القومية في مظاهر تكون أكثر نقاء من ذي قبل. ولا بد مع هذا الرقي التدريجي في سائر شعب الحياة، أن يدخل على لباسها أيضًا الحسن والجمال والأناقة والزينة والزخرفة والإتقان باعتبار المادة والمظهر معًا. وعلى هذا فإن هذه الأمة لا تشعر في أي مرحلة من مراحل هذا التطور بحاجة إلى أن تعقد مؤتمرًا أو مجلسًا نيابيًا لتتخذ فيه القرار الذي يحدد شكلًا خاصًا للباس أفرادها، بل إن الإصلاحات الجديدة التي تلاقي الرواج في هذه الأمة، هي التي تدخل التعديلات على أشكال لباسها القديمة بتأثير التداول المشترك للعوامل الاجتماعية، وتروج فيها الأشكال الجديدة. وبالجملة فإن ذوق تلك الأمة وسليقتها الاجتماعية لا تزال تدخل التحسينات على لباسها وفقًا لما فيها من قابلية لقبول الجديد ورفض القديم والتطلع إلى اللحاق بالركب الحضاري.