إن هذا لهو الوجه الفطري لنشأة اللباس القومي وتغيّره ونموّه وارتقائه، وأما الوجه الصناعي -عكس ذلك- فهو أن تجبر أمة على تغيير لباسها ويستجدي لها اللباس من أمة غيرها. لا شك أنالتغير يحصل في كلتا الصورتين: في صورة التطور الفطري وفي صورة الثورة غير الفطرية، إلا أن البون شاسع والفارق كبير بين صورتي التغير. فالتطور في الصورة الأولى طبيعي كنشوء الشجرة ونموها، فإنها على قدر ما تكبر وتنبت، تحصل التغيرات في لونها وشكلها وجسامتها وثمارها وأوراقها وأغصانها مع بقاء ذاتيتها على حالها. فهي إن كانت شجرة الليمون -مثلًا- تبقى إلى نهايتها شجرة الليمون، وإن كانت شجرة (المنجو) ، تبقى شجرة (المنجو) في كل مرحلة من مراحل نموها وارتقائها. لا شك أنها تستمد حيويتها من الأرض والهواء والماء والحرارة والشمس، ولكنها لا تستمد منها شيئًا إلا وتحوله جزءًا لا يتجزأ من ذاتيتها. أما التغير من النوع الثاني فمثله كمثل شجرة الليمون، ولكنها كسيت قشر شجرة (المنجو) ، وعلقت عليها أوراقها وأغصانها وثمارها، فلا هي شجرة الليمون ولا هي شجرة (المنجو) ، ولكنها شجرة الليمون وشجرة (المنجو) معًا. الحقيقة أن هذه العوامل الاصطناعية لا يحصل بها تغير حقيقي ثابت أبدًا، وإنما يتعثر بها الارتقاء الفطري، وتقوم الحواجز والعراقيل في سبيله. إلا أن الذين لا بصيرة لهم في المسائل الاجتماعية ولا ينظرون إلى مسائل الحياة إلا بعين سطحية، يظنون على غرارة منهم، كغرارة الأطفال، أنه من الممكن تغيير أي أمة إذا شاءوا، بتغيير بعض الأشكال الظاهرة للباسها وأسلوبها للمعيشة.
أما المبررات التي تعرض في صحة تغيير لباس الناس بسلطة التشريع فهي: أنه بتغير اللباس تتبدل عقلية أمة متخلفة، وتنشأ فيها الحركة والحيوية والنشاط مكان السكون والركود والجمود، وأنه بمجرد انتزاع لباس الانحطاط والخمول منها يزول عنها في لمحة من البصر كل ما يكون فيها من مواطن الضعف المختصة بذلك العهد البائد، وأنها بمجرد أن تلبس اللباس الحديث -ولا سيما إذا كان مستوردًا م أمة راقية متحضرة- يقع تحول فجائي في نفسياتها وأسلوبها للمعيشة، وينشأ فيها الشعور بأنها أمة راقية وتحسب نفسها في عداد الأمم المتقدمة، بل إن الأمم الأخرى أيضًا تبدأ تنظر إليها بعين التقدير والاحترام وتعتبرها من أندادها، وأنها عندما تنتهج طريق الأمم الراقية في الحياة يبنشأ فيها أيضًا التهذيب والحيوية، والثقة بالنفس والطموح شأن تلك الأمم. فهذه وأمثالها هي الدلائل التي تعرض عامة لتبرير سياسة تغيير لباس الناس بسلطة التشريع، ولكن ليست هذه الدلائل في حقيقة أمرها إلا أفكار سطحية ارتجالية لا تقوم على شيء من التفكير والروية. ثم إنهم ليستشهدون تبريرًا لسياستهم هذه بأسماء عدد من الشخصيات الكبيرة التي ليست أعلى منهم فكرًا ولا بصيرة، فإنها -مثل أتباعها- لا تنظر أيضًا من الوجهة الفكرية إلا إلى السطح، وإن جعبتها أيضًا خالية من الدلائل العقلية.