إن القائد العسكري إذا أنقذ شعبه من الهلاك باتخاذ التدابير الناجحة في ظروف شاذة طارئة، فإنه -بدون ما شك- جدير بالثناء والإجلال والإكبار، ولكن على قدر ما يستحقه في واقع الأمر، وفي الناحية التي قام فيها بجلائل الأعمال والخدمات البطولية لشعبه. أما أن تضفي عليه ألقاب نابغة العصر ومجدد الزمان ومصلح الأمة ومؤسس الحضارة، فإن ذلك لا يجتمع مع العقل بداهة. وما مثله إلا كمثل أن نضفي على مهندس ماهر، إذا أنقذ مدينة من الغرق بإقامة سد منيع في وجه الفيضانات، ألقاب المفكر الأعظم والمنقذ الأكبر بكل ما لهاتين الكلمتين من معان ومدلولات، وننادي بأن البلاد بحاجة إلى أن يلقي إليه منصب المشرف الأعلى على مصلحة حفظ الصحة العامة وعلى مصلحة التعليم والتربية أيضًا.
وكل ما بيناه حتى الآن أكثر من الكافي لإيضاح ما في دلائل دعاة الثورة على الوضع القديم من مواطن الضعف والسخافة من حيث المبدأ، إلا أن المفاهيم الخاطئة التي قد استولت على عقول الناس عامة لتأثرهم بتيار العصرية من الصعب إزالتها من الأذهان بهذا القدر من الإيضاح للمسألة، فالحاجة تدعو إلى أن أبين ما عندي من الدلائل بصراحة على كون هذه السياسة -أي سياسة تغيير اللباس- سخيفة وصبيانية.
1 -ليست هيئة اللباس وشكله -كما بينا آنفًا- بشيء مستقل برأسه، وإنما هي نتيجة لغير واحد من العوامل الطبيعية والاجتماعية. وهذه الحقيقة إذا اعترفنا بها، فلا بد من الاعتراف بأن الهيئة الشائعة للباس لدى أمة من الأمم كنتيجة لتفاعل هذه العوامل، إنما هي هيئة اللباس الفطرية بالنسبة لتلك الأمة، وأن هذه الأمة إذا تخلت عن هذه الهيئة واستبدلت بها، بغتة، هيئة جديدة غير ناتجة عن تفاعل هذه العوامل، فإنها ولا شك -تقدم على ما يتنافى مع الفطرة التي فطر الله عليها الناس في هذا الكون.
2 -إن للباس كل أمة صلة وثيقة بأسلوبها للمعيشة، وإن أسلوبها للمعيشة بينه وبين حياتها الاجتماعية -بكل شعبها ونواحيها- روابط وعلاقات من غير ناحية واحدة. فهذه العلاقات والروابط تبقى قائمة إذا كان الانقلاب الذي يطرأ على لباس تلك الأمة وأسلوبها للحياة فطريًا، وأما إذا كان غير فطري، أي أنه يفرض على لباس تلك الأمة وأسلوبها للحياة معًا، فإن الحياة الاجتماعية لتلك الأمة لا بد أن تنشأ فيها أسباب التفكك والاختلال، لأن شعب الحياة الأخرى لا تساير هذا الانقلاب ولا يبقى بينها وبينه الترابط والتماسك والتلاحم.
3 -إن جمال اللباس ووقاره وملائمته للظروف الراقية يتوقف في حقيقة أمره على أن تتقدم الأمة بمجموعها، وتصبح أمة نشيطة مقدامة مهذبة متمدنة جميلة الذوق متنورة الفكر بصفة جماعية، وعلى قدر ما تتقدم في هذا الطريق، يدخل الإصلاح بنفسه في لباسها القومي، لأن الحياة الاجتماعية التواقة إلى التقدم بنفسها تدخل الإصلاح والتعديل على أوضاعها القديمة بطريق فطري محض، كما أنها عندما ترى عند غيرها من أمم الأرض أوضاعًا حديثة تتناسب وظروفها وحاجاتها، تقتبسها منها وتجعلها ملائمة عندها على وجه متناسب فطري، أما أن تحيد عن هذا الطريق الفطري للتقدم والرقي واستبدال لباس بلباس دفعة واحدة، فما هو إلا محاولة للطفرة من حالة إلى أخرى، ومن المعلوم أن مثل هذه الطفرات لا تحدث انقلابًا جذريًا في الحياة الاجتماعية.