الصفحة 91 من 155

4 -وما مثل تطوير لباس أمة وأسلوبها للحياة بدون أن يقترن بأسباب الرقي في إطارها الاجتماعي العام، ومحاولة النهوض بها إلى درجة فوق درجتها الحقيقية بثورة مفتعلة إلا كمثل طفل لم يبلغ الحلم بعد، يعيش في وسط مهيج للغرائز الجنسية، ويناول أغذية مثيرة وأدوية منعشة ليبلغ الحلم عن طريق مفتعل. فالاختلال الشديد الذي يحصل في نظامه الجسدي وحالته الفكرية عن طريق هذا البلوغ الاصطناعي، يمكن أن يقاس عليه ذلك الاختلال والاضطراب الذي يحصل في النظام الاجتماعي والأوضاع الفكرية والخلقية لأمة متخلفة تبذل المحاولات لتهذيبها وتمدينها قسرًا.

5 -إن أي أمة من الأمم إذا كانت حالتها الاقتصادية لا تسمح لها إلا أن تحتمل تكاليف لباس خاص وأسلوب للحياة خاص، فمن الظلم أن تحمل تل ك الأمة على أن تختار لنفسها لباسًا وأسلوبًا للحياة أثقل وزنًا وأبهظ قيمة من مستواها الاقتصادي. فإنه لا معنى لذلك إلا إهلاكها فعلًا، لأنها لا تقتصر على اختيار لباس الأمم الراقية الغنية وأسلوبها للحياة فحسب، بل لا بد أن تحاول -مع ذلك- اختيار ما لتلك الأمم من النظريات الفكرية والمناهج العملية، مما لا تكون نتائجه إلا مدمرة لكيانها ومذيبة لشخصيتها الحضارية.

6 -إن اللباس واللغة والحروف هي الدعائم التي تقوم عليها شخصية كل أمة وفرديتها، بحيث إنها إذا انهارت فلا بد أن تأخذ فرديتها في الانقراض وتصبح تدريجيًا أثرًا بعد عين، وتنضم إلى قومية أمة أخرى. إن الأمم القديمة التي قد اقنرضت عن وجه الأرض والتي يعبر عنها اليوم بمصطلح"الأمم البائدة"، ما فنيت كلها إلا لهذا السبب وحده. وليس معنى فنائها أن الأفراد الذين كانت تتألف منهم، فنوا عن بكرة أبيهم ولم يبق لهم بعدهم نسل، وإنما فناؤها يعني أن شخصيتها الحضارية ما بقيت، وأنها بنفسها هدمت أركان قوميتها أو تركتها تتهدم، وأن أفرادها ما انفكوا يختارون لباس أمم أخرى وألسنتها وحروفها وآدابها للحياة الاجتماعية، حتى اضمحلت قوميتهم ثم انقرضت انقراضًا. وهذه العاقبة هي المقدرة حتمًا في هذا الزمان للأمم التي قبل مشاريع زعمائها السياسيين المنحرفة عن الصواب زاعمة أنها وسائل للرقي والتقدم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت