الصفحة 92 من 155

7 -ليس اختيار أمة للباس أم غيرها وطريقها للمعيشة إلا نتيجة وإعلان لما في هذه الأمة من (مركب النقص) ، وبكلمة أخرى فإنها تعتبر نفسها أمة ذليلة، ليس عندها شيء تفتخر به أو تعتز به، وأن أسلافها ما كانوا قادرين على أن يتركوا لها شيئًا تحتفظ به وتعلن نسبته إليها بدون خجل ولا غضاضة، وأن ذوقها القومي وفكرتها القومية"في غاية من الدناء والبلادة، وتعوزها الخصائص المعينة على الاختراع والإبداع حتى أنها لا تستطيع أن تبدع لنفسها أسلوبًا للمعيشة أفضل. ولذا فإنها لكي تبدو للدنيا مهذبة متحضرة، فإنها تستمد كل شيء من غيرها، وتعلن للدنيا بدون حياء ولا خجل أن الحضارة والمدنية والتهذيب والحسن والجمال والبراعة والأناقة إنما هي في حياة تلك الأم التي تقلدها وترى السعادة في اقتفاء آثارها، وأن حياة هذه الأمم هي المقياس الحقيقي لكل كمال ورقي، بينما هي ما زالت تعيش على وجه الأرض منذ آلاف السنين شأن الأنعام والبهائم، وما استطاعت أن تخترع شيئًا ذا قيمة. ولعمر الحق إن أي أمة إذا كانت عندها بقية من الغيرة والشهامة، ما جعلت من نفسها عنوانًا لذلها وهوانها على هذا الوجه. ومما يشهد به التاريخ، بل الذي يشهد به ما نشاهده بأم أعيننا في عصرنا من الأحداث والحوادث، أن أي أمة لا تقبل هذا اللون من الذل والهوان والخسف إلا في إحدى صورتين: إما أن تكون لقيت الهزائم تلو الهزائم في كل ميدان من ميادين الحياة إزاء أمم أخرى حتى انكسرت شوكتها ولانت قناتها وغلبت على أمرها كالهند وتركيا وإيران ومصر وما إليها، وإما أن لا يكون في تاريخها الماضي شيء من التقاليد تعتز به وتفتخر، وأنها لا تمت بصلة إلى حضارة راقية ماضية، ولا تكون بين أمم الأرض إلا بمنزلة المبتدئ ( UPSTART) كاليابان."

8 -إن كان هناك شيء ينبغي ويستحق أن تأخذه أمة عن الأمم الأخرى، فغنما هو نتائج أبحاثها العلمية، وثمرات قواها الفكرية، ومعطياتها الاكتشافية ومناهجها العملية التي تكون بلغت بها معارج الرقي في الدنيا. إن أي أمة في الأرض إذا كان في تاريخها أو في نظمها الاجتماعية أو في أخلاقها درس نافع، فمن الواجب أن نأخذه منها، ومن الواجب أن نستقصي أسباب رقيها وازدهارها بكل دقة وتمحيص، ونأخذ منها ما نراه ملائمًا لحاجاتنا وظروفنا، لأن هذه الأمور إرث مشترك بين الإنسانية، ومن الجهل المحض عدم إعطائها ما تستحق من الأهمية والتقدير، والتردد في الأخذ بها بناء على العصبية القومية. ولكننا إذا أعرضنا عن هذه الأمور الجوهرية ورحنا نأخذ من أمم الغرب ملابسها وطرقها للمعيشة وأدواتها للأكل والشرب، بزعم أن فيها السر لنجاح تلك الأمم ورقيها، فلا يكون ذلك إلا دليلًا على غباوتنا وبلادتنا وحماقتنا. فهل لأحد عنده العقل أن يعتقد أن كل ما أحرزه الغرب منالتقدم والرقي في مختلف حقول الحياة إنما أحرزه بالجاكيت والبنطلون ورابطة العنق والقبعة والحذاء؟ أو أن من أسباب رقيه وتقدمه أنه يتناول طعامه بالسكين والشوكة؟ أو أن أدواته للزينة والرفاهة، والمساحيق والمعاجين والأصباغ هي التي قد سمت به إلى أوج الرقي والكمال؟ فإن لم يكن الأمر كذلك -والظاهر أنه ليس كذلك- فما للتقدميين المتشدقين بالإصلاح عندنا لا يندفعون أول ما يندفعون إلا إلى هذه المظاهر؟ وما لهم لا يدركون أن كل هذا الجمال والبريق الذي يبهر الأنظار ويبهت العقول في حياة أهل الغرب، إنما هو ثمرة ما قد بذلوه تباعًا طيلة قرون ماضية من الجهود المضنية المرهقة، وأن أي أمة في الأرض إذا ما عملت لرقيها بالجهد المتصل والصبر الجميل والعزيمة المتدفقة كما عمل أهل الغرب، فلا بد لها من إحراز ما يبهت العقول ويبهر الأنظار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت