الصفحة 93 من 155

يتضح من هذه الدلائل أن اختيار أمة للباس أمة غيرها وأسلوبها للمعيشة، إنما هو حالة غير طبيعية لا تتفق بحال مع المعقولية، إذ أن الإنسان في الظروف العادية لا يتفكر ولا يكاد يشعر بحاجة إلى أن يتفكر في أن يترك أسلوب الحياة السائد في مجتمعه ويختار طريق الأجانب للحياة. إن مثل هذه الفكرة لا تنشأ دائمًا إلا في ظروف غير طبيعية. وما مثلها إلا كمثل أن بعض النساء يرغبن في أكل التراب أيام حملهن، أو أن الإنسان إذا حورت عينه، فإنه يرى كل شيء على غير هيأته الطبيعية.

من الوجهة الشرعية:

وكل ما بيناه حتى الآن، إنما بيناه من وجهة نظر الاجتماع، وتسلط الأضواء الآن على هذه المسألة من وجهة نظر الشريعة:

الإسلام دين الفطرة، فهو -لذلك- لا يسلك في كل شأن من شؤون الحياة إلا طريقًا يتفق مع العقل العام ويتجاوب مع الفطرة السليمة. إنك إذا نزعت عن عينك المنظار الملون ونظرت إلى الأمور كما هي في صورتها الحقيقية الفطرية، فإن هذا النظر لا بد أن يفضي بك إلى نفس النتيجة التي قد انتهى إليها الإسلام. إنه ما قرر للإنسان نوعًا خاصًا من اللباس أو أسلوبًا خاصًا للمعيشة، بل قد اعترف بشرعية كل لباس وكل أسلوب للمعيشة ما دام قد تطور وترقى بطريق فطري سليم، إلا أنه وضع مجموعة من المبادئ والقواعد الأساسية من الوجهة الخلقية والاجتماعية الخالصة ويريد ألا تتولى كل أمة الإصلاح في لباسها وفي طريقها للمعيشة إلا حسب هذه المبادئ والقواعد الأساسية.

فأول هذه القواعد أنه قرر حدود الستر للعورة بالنسبة للرجال وبالنسبة للنساء، فهو يلزم الرجل أن يستر ما بين سرته وركبتيه، ويلزم المرأة أن تستر كل جسدها ما عدا وجهها ويديها وأسفل قدميها [1] . فإذا كان لباس أمة من الأمم لا يفي بهذه الشروط، يطالبها الإسلام بأن تدخل الإصلاح على لباسها حسب هذه الشروط، وهي إذا أدخلت عليه الإصلاح وفقًا لهذه الشروط، فقد نزلت على مطلب الإسلام. ولا يعارض الإسلام بعد ذلك أي نوع من اللباس يلبسه رجالها أو نساؤها.

والإصلاح الثاني المهم الذي قرره الإسلام في اللباس، هو أنه نهى الرجال أن يلبسوا الحرير أو أن يزيّنوا أنفسهم بحلى الذهب والفضة، ونهى الرجال والنساء معًا أن يلبسوا لباسًا ينم عن العجب والفخر والتبختر والكبرياء ولين العيش والميوعة. إن ملابس الأبهة والفخفخة التي لها ذيول تسحب على الأرض، وبارتدائها لا بد أن يستكبر الإنسان على الناس، تستحق اللعنة في نظر الإسلام، فهذه المعايب إذا تجنبتموها في ملابسكم، فإن أي لباس له رواج في بلادكم ومجتمعكم، هو اللباس الإسلامي بالنسبة لكم.

والإصلاح الثالث المهم الذي يطالب به الإسلام، هو أنه إذا كانت في لباسكم آثار قد جعلتها بعض الطوائف الدينية غير الإسلامية شعارًا لنفسها، فمن الواجب أن تطهروا منها لباسكم كالزنار والصليب والصور.

(1) مما يجب ملاحظته بهذا الصدد أن هذه الحدود إنما هي حدود ستر العورة وما هي بحدود الحجاب، فإن هناك فرقًا بين ستر العورة والحجاب، فالعورة ما يجب على المرأة ستره من أعضاء جسدها عن أي واحد من الرجال: محارمها وغير محارمها -حاشا زوجها- ولو كان هو أباها أو أخاها أو ابنها. وأما الحجاب فهو شيء فوق ستر هذه العورة وهو الذي يفرق فيه بين المحارم وغير المحارم من الرجال، فالوجه واليدان وأسفل القدمين ليست من العورة فيجوز للمرأة كشفها ولكن للمحارم وحدهم. فإنها مأمورة بأن لا تكشفها لغير المحارم بموجب حكم الحجاب. وقد أوضحنا هذه المسألة بكل تفاصيلها في كتابنا"الحجاب".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت