مع هذه الإصلاحات الخلقية والمدنية، فإن الإسلام يريد أن يكون في لباس المسلمين شيء يميزهم عن غير المسلمين حتى لا يتشبهوا بهم ولا تضيع شخصيتهم في شخصيتهم، ولا يلاقوا صعوبة في التعارف بينهم وتبقى الحياة الاجتماعية بينهم مستحكمة قوية. غير أن الإسلام ما حدّد لهذا الغرض هيئة خاصة للباس أو علامة محددة، وإنما جعل العرف العام هو القاضي في هذا الشأن.
وقد قامت الحركة الإسلامية في بلاد العرب، فما كان النبي صلى الله عليه وسلم ولا سائر المسلمين يلبسون إلا اللباس الذي كان رائجًا في بلاد العرب عامة، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم تمييزًا للمسلمين عن غيرهم، أمر المسلمين أن يلبسوا العمائم فوق القلانس، لأن عامة العرب المشركين إما كانوا يلبسون العمائم فقط أو القلانس فقط، ولذا فقد أصبح لبس العمائم فوق القلانس شعار المسلمين [1] . واكتفى النبي صلى الله عليه وسلم بهذا القدر من الشعار لتمييز المتبعين الأوائل للحركة الإسلامية عن غيرهم من عامة سكان بلادهم، ولكن لما أسلم سكان الجزيرة العربية كلهم بعد ذلك ولم يبق بها أحد خارج الإسلام، ما بقيت حاجة إلى شعار مميز، لأن اللباس العربي هو الذي أصبح اللباس الإسلامي، وما بقي في طول جزيرة العرب وعرضها من يلبس اللباس العربي وهو على دين غير الإسلام. وكذلك لما بدأ الإسلام ينتشر في فارس وغيرها من البلاد المفتوحة على أيدي المسلمين، اقتضت الحاجة في أول الأمر إلى أن المسلمين الجدد إما أن يلبسوا اللباس العربي أو يدخلوا على لباسهم الوطني شيئًا جديدًا كشعار للإسلام، مثل العمامة أو العباء من طراز خاص، لأن لباسهم الوطني كان حتى ذلك الحين لباس غير المسلمين ولكن لما دخل أكثر سكان تلك البلاد في الإسلام وأجري في لباسهم الوطني ما ذكرنا آنفًا من الإصلاحات الخلقية والمدنية، فإن ملابسهم الوطنية على اختلاف أشكالها أصبحت ملابس إسلامية. وفي زماننا أيضًا فإن البلاد التي جميع أو معظم سكانها مسلمون، فإن ملابسهم على اختلاف أشكالها إسلامية، وأما البلاد التي يعيش فيها المسلمون مختلطين مع غير المسلمين، فإن كل لباس يميز المسلمين فيها عن غير المسلمين، لباس إسلامي. وأما البلاد الآهلة بغير المسلمين، فإنه من الواجب على كل من يعيش فيها من أفراد المسلمين أن يدخل على لباسه شيئًا يتميز به عن سائر الأهالي غير المسلمين في تلك البلاد.
التشابه:
وبعد أن ننتهي من هذه المرحلة من البحث، تسترعي انتباهنا مسألة التشابه أو التشبّه، والتشبه لغة هو محاولة الإنسان أن يجانس غيره ويكون شبيهه، وله أربع صور باعتبار هذا المعنى، نوضح في ما يلي رأي الإسلام في كل صورة منها:
(1) قد روى أبو داود والترمذي والحاكم في مستدركه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال:"فرق ما بيننا وبين المشركين العمائم فوق القلانس". فقد ظن بعض الناس لهذه الرواية أن العمامة فوق القلنسوة، هو القانون الدائم للباس المسلمين. فهم يقولون باستحباب لبس العمامة فوق القلنسوة، ولكن ليس قولهم هذا إلا نتيجة لدراسة الحديث بدون تفكر، وإنما السنة في حقيقة الأمر هي أن المسلم إذا كان بين أمة أكثر أفرادها على غير الإسلام، فعليه أن يجعل في لباسه شيء يميزه عن عامة أفراد هذه الأمة.