الصفحة 130 من 183

… (( وأخيرًا تجد الرفيق الذى يطلب يدها للزواج، ويعقد عليها لا في كنيسة0 لأنهما من أحرار الفكر الذين ألحدوا عن الدين، ولم يعد القانون الخلقى الذى ظل جاثمًا على إيمانهما المهجور أثر في قلبيهما0 إنهما يتزوجان في قبو المكتب البلدى(الذى يفوح منه عبير الساسة) ويستمعان إلى تعاويذ العمدة0 إنهما لا يرتبطان بكلمة الشرف، بل بعقد من المصلحة، لهما الحرية في أى وقت في التحلل منه0 فلا مراسيم مهيبة، ولا خطبة عظيمة، ولا موسيقى رائعة، ولا عمق ولا نشوة في الانفعال تحيل ألفاظ وعودهم إلى ذكريات لا تمحى من صفحة الذهن0 ثم يقبل أحدهما صاحبه ضاحكًا ويتوجهان إلى البيت في صخب0

…إنه ليس بيتًا! فليس ثمة كوخ ينتظر الترحيب بهما أنشئ وسط الحشائش النضرة والأشجار الظليلة، ولا حديقة تنبت لهما الزهور والخضروات التى يشعران بأنها أبهى وأحلى لأنها من زرع أيديهما0 بل يجب أن يخفيا أنفسهما خجلًا كأنهما في زنزانة سجن، في حجرات ضيقة لا يمكن أن تستبقيهما فيها طويلًا، ولا يعنيان بتحسينها وتزيينها بما يعبر عن شخصيتيهما0 ليس هذا المسكن شيئًا روحيًا كالبيت الذى كان يتخذ مظهرًا ويكسب روحًاُ قبل ذلك بعشرين عامًا (الكتاب مكتوب سنة 1929) بل مجرد شئ مادى فيه من الجفاف والبرودة ما تجده في مارستان0 فهو يقوم وسط الضوضاء والحجارة والحديد حيث لا ينفذ إليه ربيع، لا ينبت لهما الصيف الزرع النضر بل سيلًا من المطر0 ولا يريان مع ورود الخريف قوس قزح في السماء أو أى ألوان على أوراق الشجر، بل المتاعب والذكريات الحزينة0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت