الصفحة 133 من 183

… (( إن أساطين الفلسفة والأدب وأقطاب العلوم الطبيعية الذى رفعوا لواء الإصلاح في القرن الثامن عشر، كانوا- كما سبق لنا الإشارة إليه- يجابهون نظامًا للتمدن فيه أنواع من القيود والسدود، وفيه صلابة من غير مرونة، وعسر من غير يسر، طافحًا بالتقاليد التى لا يقبلها الطبع والضوابط الجامدة، والطرق المناقضة للفطرة والعقل0 وزاد طينه بلة انحطاط القوم المتواصل على طول القرون فجعله عقبة كأداء في كل طريق للرقى0 فبجانب كانت النهضة العلمية والعقلية الجديدة تبعث في نفوس الطبقة المتوسطة أشد الميل إلى التقدم والنبوغ بالعمل والاجتهاد الذاتى0 وبجانب آخر كانت على رءوسهم طبقة الأمراء والزعماء الدينيين تبالغ في شدهم بالأغلال التقليدية0 فمن الكنيسة إلى الجندية والقضاء، ومن قصور الإمارة إلى المزارع ودور التجارة00 كل شعبة من شعب الحياة، وكل مؤسسة للتنظيمات الاجتماعية، كانت تجرى على نظام يتيح لبعض الطبقات المخصوصة بحجة امتيازاتها القديمة وحقوقها المتوارثة، أن تعسف وتجور على من لا ينتمى إليها من العاملين الناهضين، فتذهب بثمار أعمالهم، وتستأثر بنتاج مواهبهم وكفاءاتهم0 فكل محاولة يقوم بها القائمون لإصلاح تلك الحال كانت تخيب وتفشل، بإزاء أثرة الطبقات المسيطرة وجهالتها00

… (( لهذه الأسباب كلها غدت الطبقات الناشدة للإصلاح تثور في نفوسهم مع الأيام ثائرة الانقلاب الجامحة، حتى غلبت عليهم وعمتهم، آخر الأمر، نزعات البغى والثورة على هذا النظام الاجتماعى بجميع شعبه وأجزائه00 وراج بين الناس نظرية متطرفة في الحرية الشخصية، ترمى إلى إعطاء الفرد الحرية التامة، والإباحية المطلقة بإزاء المجتمع0 فأصبحوا ينادون بأنه يجب أن يكون للفرد الحق المطلق في عمل ما يشاء، والحرية الكاملة في ترك ما يشاء، وليس للمجتمع أن ينتزع منه الحرية الشخصية00 الخ ) ) (ص60- 61) 0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت