فهرس الكتاب
…ومن غرائب الاتفاق أنه قد واتت هذا الانقلاب الفكرى- وهو في صدر شبابه- أسباب تمدنية أخرى0 ففى هذا العصر قامت الثورة الصناعية الشهيرة، وأعقبتها تغيرات هامة في الحياة الاقتصادية، كان من آثارها المترتبة على الحياة التمدنية ما هو عون على تحويل وجهة سير الاجتماع الحديث إلى حيث تريد الآداب الانقلابية أن تحولها0 وذلك أن تصور الحرية الشخصية، الذى نشأ عليه النظام الرأسمالى، جاءت الاختراعات الميكانيكية، وإمكانات وفرة الإنتاج الصناعى (Mass Production) تحكمه وتقويه0 فأقامت الطبقات الرأسمالية مؤسسات صناعية وتجارية إلى مدن عامرة، أصبح ينجر إليها من القرى والأرياف أضعاف الملايين من النفوس0 وغلت تكاليف الحياة غلاءً فاحشًا، وارتفعت أسعار الحاجيات للحياة، من المطعم والملبس والمسكن، إلى ما فوق طاقة العامة زد على ذلك أن أضيف إلى حاجات الحياة ما لا يحصى من وسائل المعيشة المتجددة لأسباب راجع بعضها إلى ارتقاء التمدن وبعضها إلى مساعى أهل الثروة0
… (( ولكن النظام الرأسمالى لم يوزع الثروة بين الناس بما يكفل للجميع وسائل الحصول على تلك المتع واللذات، وأدوات الزينة والزخرفة التى أدخلها في لوازم الحياة0 بل هو لم يهيئ للعامة من وسائل المعاش ما يسدون به عوزهم بسهولة من حاجات الحياة الحقيقية- وهى السكنى والطعام واللباس- في تلك المدن التى قد زج بهم إليها00
… (( كان من نتائج ذلك كله أن أصبحت المرأة كلًا على زوجها، وأصبح الولد عبئًا على أبيه، وتعذر على كل فرد أن يقيم أود نفسه، فضلًا على أن يعول غيره من المتعلقين به0 وقضت الأحوال الاقتصادية أن يكون كل واحد من أفراد المجتمع عاملًا مكتسبًا0 فاضطرت جميع طبقات النساء- من الأبكار والأيامى والثيبات- أن يخرجن من بيوتهن لكسب الرزق رويدًا0