الصفحة 157 من 183

…والدكتور كاريل كان قد سبق فقرر لنا أن هناك أسبابًا لتخلف علوم الحياة عن علوم الجماد - ليست طارئة ولا وقتية - إنما هى ثابتة وطبيعية .. أسبابًا ترجع إلى تعقد الحياة من جهة، وإلى طبيعة عقلنا من جهة أخرى. ومن ثم قررن لنا أن علوم الحياة لن تبلغ - في يوم من الأيام - ما بلغته علوم الجماد من الدقة والجمال .. وبالضبط قال لنا بألفاظه:

… (( إن معرفة أنفسنا لن تصل أبدًا إلى تلك المرتبة من البساطة المعبرة، والتجرد، والجمال التى بلغها علم المادة. إذ ليس من المحتمل أن تختلفى العناصر التى أخرت تقدم علم الإنسان ) )000 (ص23)

…فمن العجيب - بعد ذلك - أن يجعل اعتماده كله، في حل مشكلة الحضارة، وإعاد إنشاء الإنسان، على (( مزيد من علوم الإنسان ) )0

…ولكنا لكى نزيل هذا العجب، يجب أن نواجه مشكلة دكتور كاريل نفسه. فإن مواجهتها تفيدنا في تعيين الجهة التى يمكن أن يأتى منها الخلاص الحقيقى، والاتجاه الواحد الميسور للخلاص00

…إن هذا الرجل الواسع المعرفة، العميق الحساسية، الشديد الإخلاص، المتحرر المفكر، الثائر على الحضارة الصناعية، حتى ليرى أن ليس هناك ما هو أقل من (( قلب الحضارة الصناعية وظهور فكرة أخرى للتقدم البشرى ) ).

…إن هذا الرجل - على كل هذه الفضائل والخصائص فيه - رجل (( غربى ) )نشأ في البيئة الغربية، بكل ملابسات تاريخها القديم وحاضرها الراهن. كما أنه نشأ في ظل هذه الحضارة، وفى بيئة (( العلم ) )الذى هو طابعها الظاهر ..

…وبسبب كل هذه الملابسات فهو …. سجين هذه الحضارة .. سجين بيئتها وتاريخها وملابسات حياتها.. سجين الانطباعات والرواسب العميقة العنيفة في هذه البيئة 0

…ومن ثم لا يملك - حين يثب الوثبة الكبرى - أن يخرج من إطارها ..

…ونزيد هذه الحقيقة العجيبة إيضاحًا:

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت