الصفحة 158 من 183

…إن الدكتور كاريل يتنفس في بيئة آمنت بالعلم التجريبى إيمانًا مطلقًا فترة قرنين من الزمان.. وعلى الرغم من أنها بدأت في هذا القرن الأخير تفيق من نشوة انتصار العلم، وهى تراه يقف على عتبات المجهول عند آفاق كثيرة. فإن رواسب القرنين الماضيين لا تزال عميقة وعنيفة.. حتى عند الذين عرفوا (( حدود العلم ) )00

…وهو في الوقت ذاته يتنفس في بيئة عرفت الدين - في أحسن صورة - تصوفًا روحيًا مرفرفًا شفيفًا، واتصالًا بالغيب من غير وساطة مادية ظاهرة، وصلاة ودعاء يغب فيها الفرد عن ذاته، ويندمج في الملأ الأعلى0

…وهذه هى الصورة الوضيئة المشرقة الحبيبة إلى نفس الدكتور العالم الشاعر المتصوف المرفرف، كما يصفها في كتابه هذا، وكتابه الآخر الذى عنوانه (( الصلاة ) ).. وكما يكرر ضرورة توفير الجو المناسب لانطلاقها في حياة البشر .. وكما يثور على الحضارة المادية الصناعية، لأنها تخنقها، وتخنق معها كل شعور بالجمال، وكل نشاط فنى أو روحى أو دينى..

…ومن هاتين النقطتين: نقطة الإيمان بالعلم، ونقطة تصور الدين على هذا النحو وفى هذه الحدود.. تنشأ مشكلة الدكتور كاريل، وأمثالهب ممن تهولهم فظاعة التدمير الذى تنشئه هذه الحضارة في حياة الإنسان (( وروحه ) )، وتهتف بهم أشواقهم الروحية إلى استشراف حياة فيها للعقيدة الروحية مكان..

…تنشأ المشكلة من ثورته على هذه الحضارة ومن (سجنه) فى إطار هذه الحضارة في الوقت ذاته.

…ومن هنا لا يرى أن هناك وسيلة أخرى لوقف هذا التدمير الذى تنشئه هذه الحضارة في الكيان الإنسانى ..

…إنه لا يملك منهجًا للحياة إلا الذى يقرره العلم .. لأن الدين - كما هو في بيئته - في أحسن صورة، لا في الصورة الكريهة المنفرة الأخرى - هو مجرد نشاط روحى، وتهذيب خلقى، واتصال بالعوالم الغيبية..

…وهو في صورته هذه يمثل جانبًا واحدًا من جوانب التكوين الإنسانى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت