فهرس الكتاب
والمنهج الوحيد الذى راعى هذه الاعتبارات كلها كان هو المنهج الذى وضعه للإنسان خالقه، العليم بتكوينه وفطرته، الخبير بطاقاته ووظائفه، القادر على أن يضع له المنهج الذى يحقق غاية وجوده ويحقق التوازن في أوجه نشاطه، ويحقق فرديته وجماعيته كذلك 00
وما من شك أن الأمر من الدقة والخطورة والتشابك والتعقد بحيث يحتاج إلى علم إله، وحكمة إله، وأنه - من ثم - لا يصنعه إلا الله (1) 00
فلننظر الآن نظرة سريعة إلى تقلب نظرة الإنسان لنفسه، وتخبطه كذلك بنفسه، حين استقل بأمر نفسه بعيدًا عن هدى الله ، واتبع هواه 00
فى الأساطير الإغريقية كان (( الإنسان ) )ندًا للآلهة. ينازعها السلطة والمعرفة، وإن كانت هى تبطش به وتقسو عليه. ولكنه هو لا يستسلم ولا يذعن. وحتى في حالة انتصارها عليه، فإنه يستبقى في نفسه السخط والإنكار والإصرار !
فلما جاء العهد الروماني - ونبدأ به باعتباره الأساس الحقيقى للحضارة الأوروبية القائمة - بهت ظل الآلهة - وبقى الإنسان يعبد ذاته وشهواته . وهو على كل حال لم يكن يسمح للآلهة بالتدخل في تصريف حياته الأرضية . وإن كان يسمح لها بالتكهن على ألسنة الكهان، ويستبقيها كعرف اجتماعى لا ضرر منه، ويستمتع بمباهج الاحتفالات بمواسمها في طلاقة من كل قيد على طريقة الرومان في المتاع0
ولما سيطرت النصرانية - كما تصورتها الكنيسة - على الدولة الرومانية، وسم الإنسان بالخطيئة ، ونكس رأسه بالذل. وبدا ذلك في التماثيل التى أنشئت في ظل هذه النظرة إلى الإنسان، كما بدا في سواها من وسائل التعبير0
(1) عالجت هذا الموضوع بتوسع في فصل (( حقيقة الإنسان ) )فى كتاب: (( خصائص التصور الإسلامى ومقوماته ) )وفصل (( نظام إنسانى ) )فى كتاب (( نحو مجتمع إسلامى ) )