الصفحة 52 من 183

وأزهد الناس عندهم وأتقاهم أبعدهم عن الطهارة، وأوغلهم في النجاسات والدنس، ويقول الراهب (اتهينس) : إن الراهب (أنتوني) لم يقترف إثم غسل الرجلين طول عمره. وكان الراهب ( أبراهامم) لم يمس وجهه ولا رجله الماء خمسين سنة. وقد قال الراهب الإسكندرى بعد زمن متلهفًا: واأسفاه لقد كنا في زمن نعد غسل الوجه حرامًا، فإذا بنا ندخل الحمامات. وكان الرهبان يتجولون في البلاد ويختطفون الأطفال، ويهربون إلى الصحراء والأديار، وينتزعون الصبية من حجور أمهاتهم، ويربونهم تربية رهبانية، والحكومة لا تملك من الأمر شيئًا، والجمهور والدهماء يؤيدونهم، ويحبذون الذين يهجرون آباءهم وأمهاتهم ويختارون الرهبانية ويهتفون باسمهم. وعرف كبار من الرهبان ومشاهير التاريخ النصراني بالمهارة في التهريب، حتى روى أن الأمهات كن يسترن أولادهن في البيوت، إذا رأين الراهب أمبروز (Ambrose) وأصبح الآباء والأولياء لا يملكون من أولادهم شيئًا، وانتقل نفوذهم وولايتهم إلى الرهبان والقسوس0

(( وكان نتيجة هذه الرهبانية أن خلال القوة والمروءة التى كانت تعد فضائل، عادت فاستحالت عيوبًا ورذائل. وزهد الناس في البشاشة وخفة الروح، والصراحة، والسماحة، والشجاعة والجراءة، وهجروها. وكان من أهم نتائجها أن تزلزلت دعائم الحياة المنزلية، وعم الكنود والقسوة على الأقارب. فكان الرهبان الذين تفيض قلوبهم حنانًا ورحمة، وعيوبهم من الدمع، تقسو قلوبهم وتجمد عيونهم على الآباء والأمهات والأولاد. فيخلفون الأمهات ثكالى، والأزواج أيامى، والأولاد يتامى، عالة يتكففون الناس، ويتوجهون قاصدين الصحراء، همهم الوحيد أن ينقذوا أنفسهم في الآخرة، لا يبالون ماتوا أو عاشوا. وحكى(ليكى) من ذلك حكايات تدمع العين وتحزن القلب0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت