الصفحة 83 من 183

وهاتان الخاصيتان تعتبران العلامتين المميزتين لهذا العهد البغيض0

وقد ظلت أوروبا ترزح تحت وطأ هذا النظام الفظيع، الذى تهدر فيه قيمة الإنسان - ابتداء - يجعله تابعًا للأرض كالماشية وأدوات الزراعة، ينتقل معها إلى المالك الجديد. ولا يملك أن يحص بكينونته (( الإنسانية ) )مستقلة عن الأرض. ولا يملك أن يغادرها - ولو إلى إقطاعية أخرى. وإلا اعتبر آبقا - بحكم القانون - ووجب القبض عليه ورده إلى الأرض التى يتبعها (وإن كان هذا القانون لم يعد ينفذ في أواخر عهد الإقطاع في الحالات التى كان المالك الذى أوى إليه الهاربون إلى إقطاعيته يرى أن من مصلحته عدم ردهم إلى سيدهم وأرضهم!) .. وتهدر فيه كرامة (( الإنسان ) )مرة أخرى بجعله أسير إرادة الشريف، واعتبار هذه الإرادة هى القانون.. وليس أحط من وضع يكون فيه الإنسان خاضعًا للشريعة هى مجرد إرادة إنسان مثله .. ولو كان هو السيد الشريف !!!

…ظلت أوروبا تحت وطأ هذا النظام الفظيع، حتى انساحت جموع الصليبيين في الشرق الإسلامى، واحتكوا بالمجتمع الإسلامى، وعرفوا عن كثيب أوضاع حياة الناس فيه، ورأوا نظامًا آخر غير ذلك النظام الفظيع.

…رأوا شريعة يتحاكم إليها الناس جميعًا، حاكمهم ومحكومهم، غنيهمن وفقيرهم، مالكهم ومعدمهم، صاحب الأرض والعامل فيها على السواء. شريعة ليست هى إرادة السيد صاحب الأرض، وليس هى إرادة الأمير كذلك. ولا السلطان. إنما هى شريعة تجيئهم جميعًا من عند الله. ويتولى الحكم بها قضاة. طالما وقفوا بها في وجه الأمراء والسلاطين، عندما كان أحدهم يهم بظلم الرعية أفرادًا أو جماعات. وقد ظهر في هذه الفترة بالذات أئمة أقوياء مرات في وجه سلاطين المماليك، وكان لوقفاتهم صداها الذى تتناقله الجماهير في الوطن الإسلامى، وتعرفها جموع الصليبيين الذين يحتكون بهذا المجتمع خلال قنرنين من الزمان0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت