الصفحة 97 من 183

وأيًا ما كانت الملابسات التى أدت إلى هذه المأساة، فإن الحقيقة الواقعة، أن هذه الحضارة الحديثة - ولو أنها قامت ابتداء على أسس الاتجاهات التجريبية العلمية التى اقتبستها أوروبا من الأندلس ومن الشرق الإسلامى، النابعة ابتداء من التوجيهات القرآنية لتدبر النواميس واستغلال الطاقات والمدخرات في الأرض، ومن روح الإسلام الواقعية الإنسانية، إلال إنها حين انتقلت إلى أوروبا لم تنتقل بجذورها الفلسفية، إنما انتقلت علومًا وطرقًا فنية، ومناهج تجريبية. وصادفت ذلك (( الفصام النكد ) ) (1) بين الدين والنهضة الحضارية. ومن ثم لم يلحظ في بنائها هذا (( الإنسان ) )المفروض أنه صانعها، وأنها من أجله صنعت. وكذلك أصبحت لا تلائم هذا (( الإنسان) بل تسحق خصائصه الأساسية التى تجعل منه هذا الكائن الفذ الفريد في الكون، والتى بدونها لا يملك هذا الكائن أن يؤدى دوره. كما أن إغفال بعضها في أى نظام اجتماعى أو إقتصادى، وفى أية حضارة، من شأنه أن يحدث الاختلاف في الكينونة البشرية، ويقضى لا على الجوانب التى أغفلت فحسب، بل كذلك على الجوانب الأخرى، نظرًا لأن الجهاز الإنسانى كل مركب متناسق، يعمل في الواقع كوحدة في كل نشاط يبذله، ولا يوجد مجزءًا إلا في عالم البحوث العقلية والمعملية0

ونعود إلى الاقتباس من تقريرات الدكتور ألكسيس كاريل عن هذه الحضارة وعن نشأتها، وعن عدم ملاءمتها للإنسان، وعن الخصائص الإنسانية التى تهملها أو تحطمها:

(( إن الحضارة العصرية تجد نفسها في موقف صعب، لأنها لا تلائمنا. لقد أنشئت دون أية معرفة بطيعتنا الحقيقية، إذ أنها تولدت من خيالات الاكتشافات العلمية، وشهوات الناس، وأوهامهم، ونظرياتهم ورغباتهم. وعلى الرغم من أنها أنشئت بمجهوداتنا، إلا أنها غير صالحة بالنسبة لحجمنا وشكلنا 00(ص38) 0

(1) يراجع بتوسع فصل (( الفصان النكد ) )فى كتاب (( المستقبل لهذا الدين ) )0

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت