فهرس الكتاب
(آل عمران: 146 - 147)
قانون التغي ير الذي علمتنا إياه أفغانستان؛ تغيير المجتمعات... بناء الأمم.. إقامة صرح الامجاد..
القانون يقول: لا بد للتغيير من حركة إصلاحية، تبدأ بالتوحيد، يتجمع الناس حولها، ثم تقوم الجاهلية في وجهها بخيلها ورجلها، وتبدأ المعركة الكلامية والتشهير والتشوية، وتصبر الفئة المؤمنة، ثم يأتي يوم تمتشق الفئة المؤمنة سلاحها، وتنتضل حسامها وتمضي بإذن ربها كصاعق يفجر طاقات الأمة وخيراتها، يلتف حول هذه الفئة المؤمنة الشعب، ويواصلون المسيرة، ويدفعون الثمن في هذا الأتون المتوقد الذي يأكل الناس والحديد، وتستمر المعركة.
رأس حربتها أبناء الدعوة الإسلامية، يسقط من يسقط، ويثبت من يثبت، وبعد معركة طويلة تنضج فيها النفوس على حرارة المعركة وتصفوا فيها الأرواح، وتصقل فيها الأفئدة، يبقى قسم من أبناء الدعوة الإسلامية يجعلهم الله ستارا لقدره، يحمون ثمار النصر، ويجعلهم أمناء على دينه ويمك ن لهم في الأرض.
قصة أفغانستان:
هذه قصة أفغانستان، قصة مجموعة قليلة من شباب مؤمن في جامعة كابل، وقفت تواجه الزحف الشيوعي الذي يرعاه الحاكم -الملك ظاهر شاه- الذي يجمع من مجلس الشورى التابع له ستة وثلاثين شيوعيا ، وقد سمح للشيوعيين أن يصد روا جرائدهم، فأصدر تراقي مؤسس الحزب الشيوعي جريدة خلق، وبابراك كارمل جريدة برشم، والتيار الإسلامي مخنوق محاصر، وعندما خاضوا معركة في داخل الجامعة في كابل، كانت نتيجتها لصالح الشباب المسلم فعقب عليها السفير الروسي قائلا: إن مستقبل هذه البلاد بيد هؤلاء الشباب، فلا بد من الإتيان بنظام عسكري، يسحقهم بأحذيته العسكريه!!.
ودائما الأنظمة العسكرية أقدر على اجتثاث الحركات الإصلاحية من جذورها، وعلى سحق القيم بأحذيتها، وعلى تمزيق البلد ونشر الفساد، لأنه دائما العسكري يأتون به ممزقا .. ممزقا اجتماعيا ساقطا خلقيا ... تضيق يده عن دراهم معدودة، وببيان في ليلة ظلماء، يعلن أنه رئيس دولة، ويوضع بين يديه المال والسلطان معا ، ويرى الجماهير كلها تصفق واليد التي جاءت به تلوح له بين ثانية وأخرى إنك إن حدت عن الطريق الذي رسمناه قيد شعرة فإن الكرسي الذي تحتك سيزول، وعندها تنصب المشانق، وتقام المجازر وتسيل الدماء، وتهاجر الأدمغة، وتفرغ البلد إلا من الثوريين المخصصيين لمطاردة القيم في كل ناحية..
هكذا رأينا الأنظمة العسكرية في البلاد الإسلامية كلها، ولا يعني أن غيرها من الأنظمة خي رة، لكن العور ألطف من العمى.
في أفغانستان نفس القضية، جيء بداوود ليسحق أبناء الحركة الإسلامية، أبناء الحركة الإسلامية اجتمعوا وقر روا مواجهة الحكم بقوة البنادق، ولم يكن لديهم مسدس واحد، اجتمع سياف بهم: يا أبناء الجامع--ة ماذا نصنع إزاء حكم داوود....؟ قالوا: المواجهة المسلحة ولنا شرط واحد؛ أن تؤ من لنا مسدسا .. وبدأت المعركة، وسارت بإذن ربها، وكانت التضحيات غالية والمعركة عنيفة.. دارت رحاها تسحق هذه الصفوة التي تباري ماء السماء طهرا .. وتجاري مياه المزن نقاء وصفاء.
وجدت الشيوعية أن داوود ما استطاع أن يسحق الحركة الإسلامية فذبحت داوود نفسه الذي جاءت به، وجاءت بغيره... لأن الكلب إذا كل عن الحراسة فلا بد أن يقتل ويؤتي بغيره أقوى نابا وأقدر على التمزيق، فجئ بتراقي، وتراقي مؤسس الحزب الشيوعي معروف بكفره.. فأعلن العلماء: على أن هذا كافر يجب قتاله، سار أهالي القرية وراء عالمها أو عمدتها، فلا تجد في الميدان سوى حكمتيار، أو رباني قادة الحركة الإسلامية، وكان سياف قد أودع السجن مع مؤسس الحركة الإسلامية غلام محمد نيازي.. فانضمت إما إلى رباني وإما لحكميتار، ومنها بني هيكل الجهاد الأفغاني، وأصبحت هاتان المنظمتان تشكلان العمود الفقري للجهاد.
وجدت روسيا أن المجاهدين يقتربون يوما بعد يوم من كابل فأطاحت بتراقي... ذبح تراقي وجيء بحفيظ الله أمين ولم تمهله إلا ثلاثة أشهر، ثم داست بخيلها ورجلها وأساطيلها البرية والجوية؛ دخلت وقتلت حفيظ الله أمين وجاءت بكلب جديد اسمه ببرك كارمل، لعلها تستطيع أن توقف زحف أولياء الله عزوجل.
وكانت تظن روسيا على أنها رحلة ممتعة شيقة، ونزهة مريحة، إذا كانت تشيكوسلوفاكيا قد كلفتها ثماني ساعات فتكلفها أفغانستان ثمانية أيام ونصف، ومضت ثمانية أيام وثمانية أشهر وثماني سنوات والهزيمة تلو الهزيمة والخسران تلو الخسران، وباتت أفغانستان مح رقة لدبابات الروس وآليات روسيا.. فبدأت تبحث عن المخرج... وضعت مخططها على سنتين... السنة الأولى تكتسح فيها أفغانستان... السنة الثانية تكتسح فيها بلوشستان وتحط أساطيلها البرية والجوية على الخليج العربي، وتمسك آبار البترول لتسد النقص الذي بدأ سنة (1984م) لكنها فوجئت بأناس:
يستعذبون مناياهم كأنهم لا يخرجون من الدنيا إذا قتلوا
كل واحد منهم... كما قال أبو الطيب:
فلا تستغربن له ابتساما إذا فهق المكر دمـ ا وفاقا
فقد ضمنت له المهج العوالي وحمل همه الخيل العتاقا
ملاقية نواصيها المنايا معلمة مواربها العناقا