فهرس الكتاب
أناس.. فعلا .. أصبح الموت والحياة في نظرهم سيان:
لكل أشعث يلق الموت مبتسما حتى كأن له في قتله إربا
يبحث عن الموت كأن الموت هو غرض نفسه...
؛من خير معاش الناس رجل آخذ بعنان فرسه يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار إليها.... يبتغي الموت مظانة« (1) [رواه مسلم وابن ماجة عن أبي هريرة وهو في صحيح الجامع برقم (5791) ] .
عندما رأيت الأفغان:
الأفغان منذ أن رأيتهم أدركت أن المسلم أعز إنسان في الأرض، وأن المسلم قوة لا تقهر.. وأنه جبل اشم وطود شامخ لا يتزحزح من مكانه، المسلم قوة عجيبة؛ ومن هنا يخشى العالم كل مسلم صادق مجاهد.
أنا ما صدقت.. وأنا الفلسطيني المتنقل من هزيمة إلى هزيمة، ورأيت أهلي يتجرعون مرارة الهجرة بعد الهجرة.. وعشت في بلدي عشرين عاما مسلوخة أرضنا، ونعيش في داخل جدران قرية.. يصل اليهود كل ليلة بيتنا.. أو كثيرا من الليالي يصلون بيتنا ولا يجدون من يطلق في وجههم طلقة واحدة، وإذا أطلقت طلقة في وجههم، أخذ الذي أطلق النار إلى مركز البوليس ليذوق وبال أمره وليسام سوء العذاب.. وليكن تحت خيول فرسان الجيش الأردني!!
عشت ورأيت.. عشت سنة سبع وستين، ودخلت الدبابات أمام ناظري وأنا في القرية فلم يطلق عليها طلقة واحدة.. الدبابات الإسرائيلية، ثم فجأة وإذا أنا بين قوم مسلمين لا يملكون قوت يومهم.. حافية أقدامهم... خاوية بطونهم.. خالية جيوبهم.. ولكن رؤوسهم تناطح السحاب عزة ومجدا ، وكل واحد كأنه يردد أمام جحافل روسيا:
مسلم ياصعاب لن تقهريني صارمي قاطع وعزمي حديد
كل بذل إذا العقيدة ريعت دون بذل النفوس نذر زهيد
نعم.. ما صدقت والله..أنا رأيت الجيوش العربية سنة سبع وستين بالمسجد الاقصى ـسقطـ لم يسقط حوله عشرة رجال.. أقدس بقعة بعد الحرمين لم يقتل دفاعا عنه عشرة رجال.. وكنت أسمع من خلال محطة إسرائيل، وقد أخذت الدبابات قريتنا ومدينتنا في يوم الخامس من حزيران؛ أسمع من محطة إسرائيل، صوت الرئيس عبد الناصر يخاطب الملك حسين، يقول له: أسقطنا ثلثي طائرات العدو طائراتنا فوق تل أبيب شد حيلك يا جلالة الملك... التوقيع سلمي.
وسمعت اليهود عندما دخلوا المسجد الأقصى وهم يقولون: محمد مات محمد مات وخلف بنات.. وكان دايان بعد أن أعلن انسحاب الجيش الأردني إلى خط الدفاع الثاني ودخل دايان المسجد الأقصى وقال: من أورشليم إلى يثرب، وقال بن غورين: هذا أعز يوم علي يوم أن جئت أرض الميعاد، لأنه اليوم الذي توحدت فيه شطرا العاصمة المقدسة.
روسيا مهزومة:
عشت هذه المرارة... وفجأة وإذا أنا بين قوم مسلمين يحملون بنادقهم، ويواجهون الدبابات الروسية، والناس في العالم العربي، بعد أن أصيبوا بالهزيمة الروحية والنفسية تحت ضغط الواقع الحاضر، أمام الهجوم الاستشراقي الماكر، لا يصدقون أن الشعب الأفغاني واقف أمام روسيا. وعندما جئت أول عام عند عودتي من باكستان حدثت الشيخ عبد المجيد الزنداني، قلت له: يا شيخ عبد المجيد ميزان القوة راجح.. قال: نعم.. لصالح الجيش الروسي؟ قلت: لصالح المجاهدين، قال: أنت يا شيخ عبد الله عزام بينك وبين الأفغان هيام وغرام، وتعيش في الأوهام.
قلت: ألا ليت قومي يعلمون... الناس لا يعلمون، حدثتهم السنة الأولى ... السنة الثانية: يا ناس هنالك قضية رابحة، معركة شرسة، حرب عالمية ثالثة... ومع هذا المجاهدون منتصرون.. فيقولون: أتقصر روسيا عن سحق هذه المقاومة بسرعة؛ روسيا ذات الطائرات النفاثة وذات الصواريخ عابرة القارات... وذات وذات..! لقد جربت روسيا.. لقد استنفذت روسيا كل مدخراتها من الذخائر في أفغانستان... منذ ألف وتسعمائة وخمس وثمانين وهي تستعمل الذخيرة التي تصنعها؛ قبل اسبوع تصنعها وبعد اسبوع تستعملها داخل أفغانستان. قذائف (1985م) التي تتساقط على رؤوسنا كان مكتوب عليها (1985م) جربت طائرات الميج (27، 21، 25) الآن تستعمل طائرات ميج (27) تضرب على بعد (250) كيلو متر بإصابة جيدة. الصواريخ الآن.. الناس يقولون: عجبا .. جلال آباد ما سقطت بعد؟! هذا الأسبوع الثالث، وينسون أن صواريخ سكود التي تتنزل على رؤوس المجاهدين الآن، وتطلق من كابل.. وزنها خمسة ونصف طن...وزن الصاروخ خمسة ونصف طن.. طوله أحد عشر مترا يدمر دائرة قطرها كيلومتر... ألقوا على المجاهدين بالأمس أو أول أمس تسعة صواريخ، جاء صاروخ منها على بوابة طورخم التي هي ممر خيبر وقتلت ما قتلت وجرحت ما جرحت.
نسي الناس أن النظام الآن يشهق شهقات الموت، وضربات الجبان المتولي مؤلمة.
فالآن نجيب يصرخ.. غورباتشوف يصرخ... أين الأمم المتحدة؟! أين معاهدة جنيف؟ أين المراقبون؟! إذهبوا وانظروا، الجيش الباكستاني يشترك في المعركة..!! جورباتشوف يصيح نريد مؤتمرا دوليا حتى يحلوا قضية أفغانستان.