ومن الناحية الأخرى: أنزل الله له قوانين تحكم سيره في الحياة، وتنظم علاقته بما حوله من المخلوقات، وهذه القوانين ترك له الحرية في انتهاجها أو تنكبها، فإن اتبعها فقد وازن بين القوانين التي تحكم فطرته وبين القوانين التي طبقها في حياته وتعامله، وكذلك نسق بين قوانين حياته وبن قوانين الله التي تحكم الكون.
الحقيقة الرابعة: وهي منبثقة من الثالثة: القوانين التي تحكم الأفلاك والمجرات والحياة من عند رب العالمين، والقوانين التي نزلت للانسان من عند رب العالمين كذلك، ولذا فهي لا تصطدم، وهنا تنشأ السعادة لأن التناسق والتوافق بين النفس البشرية بجزئيها (الإرادي واللإرادي) ، بين النفس البشرية والكون حولها ينشأ من اتباع قوانين واحدة، مصدرها واحد، وهدفها واحد هو طاعة رب العالمين واتباع منهاجه.
(ألم تر أن الله يسجد له من في السموات ومن في الارض، والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب وكثير من الناس، وكثير حق عليه العذاب، ومن يهن الله فماله من مكرم، إن الله يفعل ما يشاء)
(الحج: 18)
الحقيقة الخامسة: أن الله أعلم بما خلق، ويحب الخير لها، ولذا فهو يرسم لها طريق السعاده، (ألا يعلم من خلق؟ وهو اللطيف الخبير) بلى، يعلم.
والله -عزوجل- بالناس رؤوف رحيم، غني عن مخلوقاته ولكنه يرعاها وهو أرحم بها من امهاتها ففي الحديث المتفق عليه عن عمر رضي الله عنه في قصة المرأة التي فقدت ابنها في السبي ثم لقيته فقال ص أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار؟ قلنا: لا، فقال الله أرحم بعباده من هذه بولدها . متفق عليه (رياض الصالحين) باب الرجاء.
فكما أن البشرية قد اعتادت أن ترد الآلات إلى مهندسها. لأنهم يعلمون أن أكثر الناس بها خبرة، وأقدرهم على تشغيلها، فلله المثل الأعلى هو الذي يجب أن ترد إليه -سبحانه- مشاكل البشر ليحلها.
فمهندس الثلاجة أو السيارة يضع إرشادات لطريقة أعمالها، ولا تسير السيارة بحالة إن لم نضع فيها الوقود التي اشار إليها المهندس، ولابد أن نضغط على نفس الأزرار التي بينها، وإن خالفنا تعليمات المهندس فإننا سنحرق الآلة أو نحاول عبثا إدارتها.
وهذا الإنسان لا يعمل إلا بالطريقة التي رسمها رب العالمين في كتابه، أو من خلال الوحي الذي انطلق ألفاظا شريفة على لسان نبيه ص، وكل محاولة لمخالفة صانع الأنسان وفاطره فهي محاولة لتعطيله أو إفساد فطرته.
الحقيقة السادسة: القلوب صناعة علام الغيوب وبيده مفاتحها، يفتحها متى شاء ويدخل إليها السعادة، فإن اقفلها فلا فاتح لها.
(ما يفتح الله للناس من رحمة فلا ممسك لها، وما يمسك فلا مرسل له من بعده وهو العزيز الحكيم)
(فاطر: 2)
الحقيقة السابعة: اتباع دين الله هو الحياة والبعد عنه هو الموت .
(يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم، واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه وأنه إليه تحشرون)
(الأنفال: 24)
(وكذلك أوحينا إليك روحا من أمرنا...)
(الشورى: 25)
أي حياة للقلوب والنفوس.
(ينزل الملائكة بالروح من أمره على من يشاء من عباده)
(النحل: 2)
فدين الله روح وحياة، وبدونه الإنسان لا حياة فيه .
(أو من كان ميتا فأحييناه وجعلنا له نورا يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها
(الأنعام:122)
أي ليس الكافر الذي مات قلبه كالمؤمن الذي احياه الله بالهدى.
الحقيقة الثامنة: من وجد الله وجد كل شئ ومن فقد الله فقد كل شئ، من عرف الله ذاق سعادة الدارين، ومن نسي الله أنساه نفسه.
(ولا تكونوا كالذين نسوا الله فانساهم أنفسهم أولئك هم الفاسقون)
(الحشر: 19)
الحقيقة التاسعة: قانون الذنوب والمصائب مصائب الناس قسمان: مصائب الأنبياء -وهم معصومون من الذنوب- لرفع الدرجات، ومصائب غير الانبياء -غير المعصومين- لتكفير السيئات ثم رفع الدرجات .
القانون يقول: الذنوب تؤدي إلى مصائب.
مصائب زائد صبر يساوي مغفرة الذنوب.
وهذا القانون مسطر في كتاب رب العالمين:
(وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفوا عن كثير)
(الشورى: 30)
وهذا القانون لخصة سيدنا على رضي الله عنه بقوله ما نزل بلاء إلا بذنب ولا رفع بلاء إلا بتوبة .
وقال الحسن: بلغنا انه ليس أحد يصيبه خدش عود ولا نكبه قدم ولا خلجان عرق إلا بذنب وما يعفو الله عنه أكثر (1) قال القرطبي قال الحسن: لما نزلت هذه الآية قال النبي ص وذكر الحديث (2) .
وفي الحديث الصحيح: والذي نفسي بيده مايصيب المؤمن من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن إلا كفر الله عنه بها من خطاياه حتى الشوكة يشاكها .
وفي الصحيحين عن أبي سعيد وأبي هريرة رضي الله عنهما عن النبي ص قال: ما يصيب المسلم من نصب ولا وصب ولا هم ولا حزن ولا أذى ولا غم حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها من خطاياه (3) .
قال ابن خيرة (4) : -من أصحاب علي رضي الله عنه- جزاء المعصية: الوهن في العبادة، والضيق في المعيشة، والتعسر في اللذة، قيل وما التعسر في اللذة؟ قال لا يصادف لذة حلال إلا جاءه من ينغصه إياها .
يقول مالك بن دينار (5) : إذا رأىت قساوة في قلبك ووهنا في بدنك، وحرمانا في رزقك، فاعلم أنك تكلمت فيما لا يعنيك .
وهذا القانون يعم كل جوانب الحياة من أمراض بدنية ونفسية، ومن ضيق في الرزق وضنك في العيش، وشدة في الحياة، وانحباس في المطر، وم ح ل في الأرض وقحط في الزرع، كل هذا بسبب الذنوب.
جاء في الحديث الصحيح (6) الذي رواه ابن ماجه والحاكم عن ابن عمر مرفوعا: كنت عاشر عشرة رهط من المهاجرين عند رسول الله ص فاقبل علينا رسول الله ص بوجهه فقال: يا معشر المهاجرين: خمس خصال أعوذ بالله أن تدركوهن:
1-ما ظهرت الفاحشة في قوم قط حتى أعلنوا بها إلا ابتلوا بالطواعين والأوجاع التي لم تكن في أسلافهم الذين مضوا.