الصفحة 13 من 75

الصراع بين الحق والباطل سنة ربانية ماضية، ومشيئة إلهية باقية، ولكل حزب جنوده الذين قد تتشابه أسلحتهم، ولكن شتان بين جند الحق وجند الباطل، هيهات أن تختلط الرايات أو تشتبه الغايات لا لشيء إلا لتشابه الأسلحة، ويبقى السم سما والدسم دسما وإن تشابهت الأوعية، ويبقى علماء الرحمن و علماء السلطان واضحين لأولي البصائر والألباب وإن لم تر الخفافيش نور الحق والصواب، ومن هنا كانت هذه الزاوية التي نكتفي فيها بحكاية الوقائع ... دون تعليق ... !

سعيد بن جبير و الحجاج [1]

دخل سعيد بن جبير إلى مجلس الحجاج، حيث جيء به. و هناك نظر رجل من الحاضرين إلى حال سعيد، فبكى، فقال له سعيد: ما يبكيك قال أبكي لما أصابك فقال سعيد: لا تبك كان في علم الله أن يكون هذا و تلا قوله تعالى:"ما أصاب من مصيبة في الأرض و لا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها".

فقال الحجاج لسعيد: ما اسمك؟

فقال سعيد: اسمي سعيد بن جبير.

فأجابه الحجاج: بل شقي بن كسير.

-بل كانت أمي أعلم باسمي منك.

-شقيت أمك و شقيت أنت.

-الغيب يعلمه غيرك.

-لأبدلنك بالدنيا نارا تلظى.

-لو علمت أن ذلك بيديك لاتخذتك إلها.

-فما قولك في محمد؟

-نبي الرحمة و إمام الهدى.

-فما قولك في علي، أهو في الجنة أم في النار؟

-لو دخلتها و عرفت من فيها، عرفت أهلها.

-فما قولك في الخلفاء؟

-لست عليهم بوكيل.

-فأيهم أعجب إليك؟

-أرضاهم لخالقي.

-فأيهم أرضى للخالق؟

-علمُ ذلك عند الذي يعلم سرهم و نجواهم.

-أحب أن تصْدُقني.

-إن لم أحب أن أكذبك.

-فما بالك لا تضحك؟

-و كيف يضحك مخلوق خلق من علق و طين، والطين تأكله النار.

-فما بالنا نضحك؟

-لم تستو القلوب.

وأخيرا يشعر الحجاج أنه غير قادر على إضعاف سعيد، أو دفعه إلى إعطاء الولاء، فيسلك طريقا آخر، هو الإغراء بالمال، فأمر باللؤلؤ والزبرجد والياقوت، فجمعه بين يديه، فقال سعيد: إن كنت جمعت هذا لتتقي به فزع يوم القيامة فصالح، و إلا ففزعة واحدة تذهل كل مرضعة عما أرضعت، و لا خير في شيء من الدنيا إلا ما طاب وزكا ثم يدعو الحجاج بالعود و الناي، فلما ضرب بالعود، و نفخ بالناي، بكى سعيد فقال الحجاج: ما يبكيك؟ أهو اللعب؟ قال سعيد: هو الحزن. أما النفخ فذكرني يوما عظيما، يوم ينفخ في الصور، و أما العود فشجرة قطعت من غير حق، وأما الأوتار فمن الشاة تبعث يوم القيامة.

قال الحجاج: ويلك يا سعيد!!

-لا ويل لمن زحزح عن النار و أدخل الجنة.

-اختر يا سعيد أي قتلة أقتلك؟

-اختر أنت لنفسك، فوالله لا تقتلني قتلة إلا قتلك الله مثلها في الآخرة.

-أتريد أن أعفو عنك؟

-إن كان العفو فمن الله، و أما أنت فلا براءة لك و لا عذر.

-اذهبوا به فاقتلوه، فلما خرج ضحك، فأخبر الحجاج بذلك، فردوه إليه و قال: ما أضحكك؟

-عجبت من جرأتك على الله، و حلم الله عليك، فأمر بالنطع فبسط و قال اقتلوه.

-"وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض حنيفا مسلما و ما أنا من المشركين".

-وجهوا به لغير القبلة.

-"فأينما تولوا فثم وجه الله".

-كبوه على وجهه.

-"منها خلقناكم و فيها نعيدكم و منها نخرجكم تارة أخرى".

-اذبحوه.

-أما أنا فأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له و أن محمدا عبده ورسوله. خذها مني حتى تلقاني بها يوم القيامة.

ثم دعا سعيد على الحجاج بقوله: اللهم لا تسلطه على أحد يقتله بعدي، و قيل: لما بلغ الحسن البصري مقتل سعيد قال: اللهم قاصم الجبابرة اقصم الحجاج فما بقي بعد ذلك أياما حتى وقع في جوفه الدود و أصابه الكزاز.

وهكذا سقط سعيد شهيدا في سبيل الله ونقضي المحنة باستشهاده و لكن تبقى صورة المحنة تتكرر و تصيب أمثال سعيد كلما ظهر على الساحة حاكم ظالم جبار و عالم صابر يصدع بالحق ولا يخشى في الله لومة لائم.

أبو بكر الجزائري و بوتفليقة!!

"دعا الشيخ ابو بكر جابر الجزائري الجماعات المسلحة في الجزائر إلى التعجيل بإلقاء السلاح، وتقديم أنفسهم لـ"ولي الأمر"؛ وطالب الجزائري -المدرس بالمسجد النبوي بالمدينة المنورة- في نداء موجه إلى من ضلت بهم السبيل -وحصلت المجتمع على نسخة منه- {بإعلان التوبة إلى ربهم، فإنه يحسن بهم، ولا يسيء إليهم} ؛ وأضاف في رسالته التي وجهها للذين يصرون على مواصلة أعمال القتل والتخريب في الجزائر: (( إنكم أيها الأخوة وإن قتلتم إخوانكم المؤمنين، واستوجبتم بقتلهم عذاب جهنم وغضب الله ولعنه وما أعده لكم من العذاب ) )، موضحا (( إلا أنكم إن تبتم إلى ربكم، وكففتم أيديكم عن قتل إخوانكم، وندمتم، واستغفرتم ربكم، وأقبلتم على العمل الصالح من: صلاة، وزكاة، وصيام، وحج، وأحسنتم إلى إخوانكم، وأطعتم ولي أمركم الرئيس عبد العزيز بوتفليقة أيده الله فإنكم بذلك تتأهلون للنجاة من النار، ودخول الجنة دار الأبرار ) )؛ وختم رسالته بالقول: (( ندائي إليكم -أيها الأخوة- بأن تعجلوا بإلقاء سلاحكم، وتقدموا أنفسكم لولي الأمر، معلنين توبتكم إلى ربكم، فعجلوا ولكم مني الدعاء والسلام ) )." [2]

(1) مناهج العلماء للسامرائي (109) .

(2) مجلة المجتمع العدد 1399 بتاريخ 5 صفر 1421هـ الموافق 9/ 5/2000م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت