فلسطين ... و الصراع مع اليهود و الصليبية الدولية
بقلم: أبي مصعب السوري
الحمد لله رب العالمين، و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و على آله و صحبه أجمعين:
مقدمة: تأتي قضية فلسطين والصراع مع اليهود والصهيونية و الصليبية الدولية المهيمنة التي تقودها أمريكا وأوربا، فبالنسبة لنا نحن المسلمين تعتبر القضية المركزية الأولى فضلا عن قداستها ووجوب تخليصها من أيدي الكفار، كما هو المتوجب في حق كل أرض إسلامية غلب عليها الكفار، وهو إجماع السلف و الخلف على وجوبه كما هو معلوم، فإن وجهة أهميتها الواقعية - بعد الشرعية - هي أن اليهود المتمركزين فيها أصبحوا سادة النظام العالمي الجديد و المحركين العقائديين والسياسيين، بل و المالكين لأقطابه الرئيسية أمريكا وبريطانيا ومعظم دول الصليب المجتمعة في حلف الناتو ... حيث يسيطر هذا الحلف الصهيوني الصليبي اليوم على مقدرات الأرض و يستنزف خيرات وقوت شعوب العالم المستضعف بأسره -إسلامية و غير إسلامية- و يركز هذا الحلف المسمى (النظام العالمي الجديد) حربه اليوم على العالم الإسلامي و من فيه بعد أن وقع عليه الخيار كعدو استراتيجي للغرب بعد زوال الاتحاد السوفيتي وأذياله في حلف وارسو ...
-فما هي أبعاد واقع هذه القضية (قضية فلسطين) ؟ بين المسلمين و خصومهم من اليهود و الصليبين وأذياله من المنافقين من أدعياء الإسلام؟
-ما هو الموقف المتوجب على المسلمين وقادتهم المجاهدين وعلمائهم العاملين من حيث الحكم الشرعي المتوجب عليهم؟
-ما هي مراحل هذا الصراع تاريخيا حول القدس و فلسطين مع الصليبيين و اليهود و حلفائهم المنافقين؟ و ما العبر التي نأخذها من تصدي أجدادنا المجاهدين لهم لنفهم متى انهزمنا و متى انتصرنا؟ ولماذا؟ حتى نتعلم كيف نتجنب أسباب الهزيمة و نقتفي سبل الانتصارات؟ هذا ما سنحاول تغطيته بإيجاز خلال هذه العجالة إن شاء الله، من خلال نقاط رئيسية:
أولا: بركة بيت المقدس وفلسطين و ما حولها من بلاد الشام:
وردت الإشارة إلى هذه البركة و القداسة بأشرف الأدلة من الكتاب و السنة و بإجماع المسلمين بعد ذلك من الصحابة و التابعين و أمراء المسلمين وعامتهم، على احترام بيت المقدس والهجرة إلى أكنافه و الاستماتة في الدفاع عنه وإليك بعض الأدلة:
ففي القرآن الكريم قال الله تعالى: {سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله} الإسراء (1) ، و قال تعالى: {و نجيناه و لوطا إلى الأرض التي باركنا فيها للعالمين} الأنبياء (71) ، وقال - عز وجل: {و جعلنا بينهم و بين القرى التي باركنا فيها قرى ظاهرة} سبأ (18) .
و قد اتفق العلماء قديما وحديثا على أن الأرض المباركة هي أرض الشام و أن قلبها بيت المقدس، والبركة في الأقرب فالأقرب إليه، وأن البركة هي البركة في الدين و في الدنيا، في أطهر البقاع في الأرض، وفيها مهبط الوحي ودعوة الأنبياء و مسرى حبيبنا المصطفى - صلى الله عليه وسلم -.
وفي الحديث الشريف"لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام و المسجد الأقصى و مسجدي هذا"،"صلاة في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة، و صلاة في مسجدي بألف صلاة، وصلاة في بيت المقدس بخمسمائة صلاة"رواه البيهقي من حديث جابر - رضي الله عنه -، و روى الإمام احمد بسنده عن ميمونة بنت سعد رضي الله عنها قالت: يا نبي الله أفتنا في بيت المقدس؟ فقال - صلى الله عليه وسلم:"أرض المحشر و المنشر"، و عن عبد الله بن حوالة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"ستجندون أجنادًا جندًا بالشام وجندًا بالعراق و جندًا باليمن فقال الحوالي: اختر لي قال: عليك بالشام فإنها خيرة الله من أرضه يجتبي إليها خيرته من عباده فمن أبى فليلحق بيمنه و ليسق من غُدَره، فإن الله قد تكفل لي بالشام و أهله"رواه أحمد و أبو داود و هو صحيح، روى الترمذي من حديث معاوية بن قره عن أبيه - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم:"إذا فسد أهل الشام فلا خير فيكم، و لا تزال طائفة من أمتي منصورين لا يضرهم من خذلهم و لا من خالفهم حتى يأتي أمر الله و هم على ذلك".
ولا أدل على ارتباط المسجد الأقصى بالمسجدين الشريفين من أن يسرى برسولنا - صلى الله عليه وسلم - من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى بالقدس ليعرج به هناك إلى ضيافة ربه تبارك و تعالى.
ثانيا: التعاون الوثيق بين اليهود و الصليبيين والباطنية الشيعة و الحكام المنافقين على احتلال بيت المقدس على طول التاريخ.
-فقد احتل الصليبيون في نهاية القرن الخامس الهجري سواحل الشام بما عرف بالحملات الصليبية الأولى بالتعاون مع الشيعة النصيرية العلوية الذين يسكنون هذه السواحل و قد أمدوهم بالعون والرجال والسلاح وشاركوهم باحتلال المسجد الأقصى وذبح المسلمين، وبعد نحو مئة سنة قام الوزير الشيعي ابن العلقمي بتسليم مفاتيح بغداد للتتار وخلع آخر خلفاء بني العباس المستعصم بالله الذي ذبحه التتار وآل بيته، و تابعوا السيف في الأمراء والعامة حتى قتل في بغداد أكثر من مليون مسلم ذبحًا على أيدي التتار و مضى التعاون الوثيق بين الشيعة و الباطنية واليهود في تأسيس مذاهبهم الضالة من الإسماعيلية والدروذ و النصيرية وغيرها من الفرق التي لعبت وما تزال تلعب أسوأ الأدوار في مساعدة الكفار على المسلمين، فقد قامت الباطنية اليهودية باغتيال ملوك المسلمين أيام الحروب الصليبية فقتلوا ألب أرسلان الملك السلجوقي التركي المجاهد سنة 1072م، وذكر المؤرخون أثر ضعف السلاجقة على احتلال بيت المقدس.
-تعاونت الدولة الفاطمية الشيعية التي قامت في مصر في وقت زحف النصارى آخر القرن الرابع الهجري فأمنت لهم خلفية الاحتلال من الجهة المصرية ثم توغلوا في الشام و أخذوا بيت المقدس بل أكد المؤرخ ابن الأثير وغيره أن الشيعة الفاطمية هم الذين دعوا النصارى لاحتلال سواحل الشام، و أبرموا معهم المعاهدات.
-توطد ملك الصليبيين في سواحل الشام بدعم أمراء بلاد الشام الخونة الذين أبرموا المعاهدات مع الصليبيين، ولعبوا دور المنافقين، وأمنوا الحدود الشرقية للصليبيين المحتلين لغرب الشام.