الصفحة 33 من 75

مثلث البشائر والنبوءات

(خراسان - اليمن - الشام)

الحمد لله وكفى، الصلاة والسلام على سيدنا النبي المصطفى، وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرًا، وبعد:

فالناظر في أحوال المسلمين وصراعاتهم مع قوى الكفر المتنوعة في هذا الزمان، يكاد لا يقع على بقعة من بلاد الإسلام، إلا والمسلمون فيها في حالة مواجهة مع قوى الكفر، من أقصى مشرقه، من تركستان الشرقية التي تحتلها الصين ومن جزر الفلبين وإندونيسيا، التي تحتلها الصليبية؛ وإلى أقصى مغربه، المغرب الأقصى الذي ضربت فيه الصليبية واليهود جرانهم. ومن شماله في القفقاس ووسط آسيا والبلقان، ومصر وشمال أفريقيا حيث تذيق فيها قوى الصليبيين الروس، والحكام المرتدين ألوان العذاب للمسلمين، وإلى أقصى جنوبه، جزيرة العرب ووسط أفريقيا حيث استقرت الصليبية في عقر دار المسلمين. وعبر جميع بلدانه وأقطاره ولا سيما بلاد المقدسات الثلاثة، مكة والمدينة ثم بيت المقدس، الذي احتله اليهود وراحوا يذيقون فيه المسلمين من القتل والنكال والتشريد.

فساحات المواجهات ونقاط التماس بين أهل الإسلام وأعدائهم، تمتد اليوم عبر ساحة الوطن الإسلامي الكبير من أقصاه إلى أقصاه.

ولكن الباحث في هذه الصراعات وساحات المواجهة وقوة أهل الإسلام وضعفهم، ونهضتهم للجهاد وركونهم، وفرص النجاح والإخفاق، يلفت نظره ثلاثة ملاحظات بارزة بالغة الأهمية:

الملاحظة الأولى: وهي أن المواجهة في كل هذه الساحات اليوم هي مع النظام العالمي الجديد، وثالوثه الخبيث الصائل علينا اليوم (اليهود - الصليبيين - المرتدين) ، ومن حالفهم من أهل النفاق المنتسبين للإسلام.

الملاحظة الثانية: أن الطرف الإسلامي ممثل في هذه المواجهة بالشريحة المجاهدة الظاهرة على الحق، من الناحية العملية، وهم حملة السلاح ورواد المقاومة في هذا الزمان. رغم أن العدو يستهدف كامل الأمة التي ما تزال خارج حلبة الصراع عمليا، حتى المتدينون منهم، بل حتى معظم طيف الصحوة الإسلامية غير الجهادية.

الملاحظة الثالثة: أن قلب الصراع وحدته تتركز في ساحته الأساسية، وهي المنطقة المحصورة في مثلث متساوي الأضلاع تقريبا رؤوسه هي (خراسان - اليمن - بلاد الشام) وما جاورها من المناطق المتاخمة حيث تشمل الدائرة المارة بباكستان - وسط آسيا - تركيا - مصر - القرن الأفريقي، وهي دائرة الصراع المركزية، وما اصطلح عليه منطقة الشرق الأوسط.

وقد سبق لنا أن تكلمنا عن الملاحظتين الأولى والثانية، في أكثر من مجال، ونريد أن نلفت النظر في هذه الافتتاحية إلى الملاحظة الثالثة.

(مثلث البشائر والنبوءات)

وقد أسميناه هكذا لأن معظم أحاديث الفتن والملاحم وبشائر ونبوءات الرسول (مرتبطة به جغرافيا وبكثير من سكانه في آخر الزمان، بل إن النبوءات الواردة في كتب وأسفار أهل الكتاب القديمة لدى النصارى واليهود تنحوا نفس المنحى [1] .

فإذا نظرت إلى المثلث من الناحية الجغرافية والسياسية تاريخا وحاضرا، رأيت أن فيه:

1 -مقدسات أهل الإسلام الثلاثة: المسجد الحرام (مكة المرمة) المسجد النبوي (المدينة المنورة) ، المسجد الأقصى ومسجد قبة الصخرة في (القدس الشريف) .

2 -بيت مال المسلمين وثرواتهم، ولا سيما مصادر الطاقة الأساسية، البترول والغاز .. فأكبر احتياطي لهما في العالم هو في جزيرة العرب والخليج العربي الفارسي ... وثاني أكبر الاحتياطات في خراسان وما وراء النهر إلى القفقاس، وثالث أهم الاحتياطات نفط العراق وما اكتشف من الاحتياطات الهائلة في بلاد الشام.

3 -إسرائيل التي زرعها الصليبيون وطنًا قوميا لليهود وهي رأس النظام الدولي، وسيدة العالم الحاكمة فيه اليوم، حيث بلغ اليهود أوج العلو في الأرض.

4 -أهم ثلاثة معابر مائية في العالم (مضيق هرمز - مضيق باب المندب - قناة السويس) حيث تمر معظم مقومات الاقتصاد العالمي.

5 -التواجد الصليبي الأمريكي والغربي في المنطقة: عبر القواعد البرية والبحرية والجوية التي تحتفظ في المنطقة بأكثر من ربع مليون جندي مع سلاح مخزن لأكثر من مليون جندي- هذا عسكريا - مع تواجد احتلال مدني اقتصادي بالغ الضخامة يشكل أكبر تواجد لاحتلال اقتصادي في العالم أجمع.

وكذلك كانت هذه المنطقة عبر التاريخ، منطقة صراعات وحروب وخطوط تماس بين الحضارات القديمة، الفارسية واليونانية والرومية والفرعونية .. كما كانت تلك المنطقة مهد الأديان السماوية الثلاثة، والنبوءات المعروفة، كما كانت معبر طرق الاقتصاد القديم (طريق التوابل وطريق الحرير) منذ ما قبل التاريخ وإلى العصر الحاضر. مع ما تشكله كل هذه المعطيات ماضيا وحاضرا من أسباب المنافسة والصراع.

وإذا نظرت إلى المثلث من حيث النبوءات والبشائر الواردة والمتعاضدة في كتب الأديان السماوية الثلاثة لرأيت الأدلة متضافرة على أن ملاحم وصراعات آخر الزمان تحسم في هذا المثلث، حيث تكتب نهاية التاريخ، بل إلى الشام من هذا المثلث ينتهي الحشر تمهيدا لنصب الموازين يوم القيامة [2] .

ولسنا بصدد رصد تلك الأحاديث في هذه العجالة، و نرجو أن نستطيع ذلك في بحث مستقل يصدر عن المركز إن يسر الله ذلك، ولكننا نذكر ما تفيده الأخبار والآثار على سبيل السرد المختصر ومن ذلك أن في هذا المثلث كل المدن والمناطق والأحداث التي ذكرت في النبوءات والبشائر التي نقتطف منها مما ورد في كتب السنة والآثار ما يلي:

-بلاد الشام وخاصيتها ثابتة في خمس آيات في القرآن وعشرات الأحاديث النبوية.

-بلاد خراسان وما وراء النهر، حيث تخرج منها الرايات السود التي تصحب المهدي أو تنصره وتكون أساس قوته.

(1) راجع الكتب التي عنيت بأحاديث الملاحم والفتن وبشائر ونبوءات آخر الزمان، ومنها:

"أبواب الفتن والملاحم في معظم كتب السنة وموسوعات الحديث"،"الملاحم والفتن لابن كثير"،"الفتن لنعيم بن حماد"."إتحاف الجماعة في أخبار الساعة".

(2) أحاديث الملاحم والفتن في السنة، القليل منها في مرتبة الصحيح وبعضها يرقى للحسن، وأكثرها ضعيف كثير الشواهد مما يفيد رقي بعضها للحسن وبعضها يستشهد على صحته رغم ضعفه بوقوع خبره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت