فهرس الكتاب
ببغداد.
ولما انقضى الأمر المقدر وانقضت الأربعون يوما بقيت بغداد خاوية على عروشها ليس بها أحد إلا الشياب من الناس والقتلى في الطرقات كأنها التلول, وقد سقط عليهم المطر, فتغيرت صورهم وأنتنت من جيفهم البلد, وتغير الهواء وحصل بسببه الوباء الشديد, حتى تعدى ووصل الهواء الى بلاد الشام فمات خلق كثير من تغير الجو وفساد الريح, فاجتمع على الناس الغلاء والوباء والفناء والطعن والطاعون فإنا لله وإنا إليه راجعون, ولما نودي ببغداد بالأمان خرج من تحت الأرض من كان بالمطامير والقم ى والمقابر كأنهم الموتى إذا نبشوا من قبورهم, وقد أنكر بعضهم بعضا فلا يعرف الوالد ولده ولا الاخ أخاه, فأخذهم الوباء الشديد فتلاحقوا بمن سبقهم من القتلى 0
هذه صورة من الواقع التاريخي حينما ظهر المشركون على المسلمين, فلم يرقبوا فيهم إلا ولا ذمة, وهل كانت صورة تاريخية من الماضي البعيد الموغل في الظلمات يختص بها التتار في ذلك الزمان, كلا, إن الواقع التاريخي الحديث لا تختلف صورته أو صوره عن هذه الصورة, إن ما وقع من الوثنيين الهنود عند انفصال باكستان لا يقل شناعة ولا بشاعة عما وقع من التتار في ذلك الزمان البعيد, إن ثمانية ملايين من المهاجرين المسلمين من الهند ممن أفزعتهم الهجمات البربرية المتوحشة على المسلمين الباقين في الهند, فآثروا الهجرة على البقاء قد وصل منهم الى أطراف باكستان ثلاثة ملايين فقط, أما الملايين الخمسة الباقية فقد قضوا بالطريق, طلعت عليهم العصابات الهندية الوثنية المنظمة المعروفة للدولة الهندية جيدا والتي يهيمن عليها أناس من الكبار في الحكومة الهندية فذبحتهم كالخراف على طول الطريق, وتركت جثثهم نهبا للطير والوحش بعد التمثيل بها ببشاعة منكرة, لا تقل إن لم تزد على ما صنعه التتار بالمسلمين من أهل بغداد.