فهرس الكتاب

الصفحة 46 من 60

· ولئن كانوا قد استخدموا الإسلام في مبادئ حركتهم - كما استخدمه قاسم أمين وغيره - ليتترسوا به من قذائف المعارضين، الذين سيرمونهم - ولا شك - بالمروق من الدين، فإن هذه المرحلة سرعان ما استنفدت أغراضها، ووقفوا موقفهم الحقيقي من الإسلام، وهو موقف النبذ والمعارضة والهجوم، على مرحلتين متتابعتين - بحكم الظروف - الأولى هي مهاجمة [التقاليد] .. والأخرى هي مهاجمة [الدين] باسمه الصريح.

في مرحلة الهجوم الأولى هاجموا التقاليد التي كانت ظالمة بالفعل، من تأثير الردة الجاهلية التي كان المجتمع الإسلامي قد ارتد إليها نتيجة تخلفه العقدي، وعدم تطبيقه الإسلام على صورته الحقيقية، ولكنهم حرصوا على أن يدخلوا في دائرة الهجوم التقاليد الإسلامية الحقيقية التي قررها الله ورسوله، جنبًا إلى جنب مع التقاليد الفاسدة، ويطلقوا عليها جميعًا أنها تقاليد [بالية] ينبغي أن تحطم وأن تغير، كما حرصوا على أن يسموها كلها بأنها من تراث العصور الوسطى [المظلمة] ، التي ينبغي لها أن تمحى من الوجود في العصر الحديث .. عصر النور .. والتحرر .. والانطلاق!

· وكان في هذا الهجوم - على هذا النحو - خبث ماكر ولا شك. فحقيقة إن كلا النوعين من التقاليد - الصحيح والفاسد - كان قائمًا في الحياة الإسلامية، بعضه إلى جانب بعض، ولكن كان من السهل - لو خلصت النيات - فرز هذه من تلك، والإبقاء على التقاليد الحقة، المستمدة بالفعل من كتاب الله وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم، ومحاربة التقاليد الفاسدة، التي جاءت من الردة الجاهلية في شأن المرأة، حتى لو اقتضى الأمر خوض معركة مع المتمسكين بها، فإنما برز [العلماء] في حياة هذه الأمة بالمعارك الحادة التي خاضوها ضد انحرافات المجتمع، ولو كان المجتمع كله غارقًا فيها، وتركوا بصماتهم الإصلاحية بمقدار ما بذلوا من جهد، وبمقدار ما كان هذا الجهد مخلصًا متجردًا لله.

· لكن الخبثاء استغلوا ما غشي الإسلام من غبش في نفوس معتنقيه، فلم يعودوا يميزون بين الحق والباطل، واستغلوا بصفة خاصة جهالة [المثقفين] ، فهاجموا الظلم البين الذي يأباه الله ورسوله، وأدخلوا معه تقاليد الإسلام الحقيقية على أنها من الظلم الذي ينبغي إزالته، وزعموا

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت