فهرس الكتاب
1 -هل من الممكن أن تصبح مكة دار كفر؟ وما معنى: (لا هجرة بعد الفتح) ؟ (رقم السؤال: 2340) :
شيخنا أبا همام بكر بن عبد العزيز الأثري حفظه الله ورعاه وسدد خطاه أرجو الله أن تصلك رسالتي هذه وأنت في أحسن حال وأسأله سبحانه أن يمتعنا برؤيتك انه ولي ذالك والقادر عليه. أما بعد:
فلي سؤال هناك من يستدل بحديث: (لا هجرة بعد الفتح) على أن مكة لن تعود بلد كفر إلى قيام الساعة, فكيف يكون الفهم الصحيح لهذا الحديث وبين ما يجرى فيها اليوم؟ وجزاك الله كل خير بما تقدمه من خدمه لدين الله والدعاء الخالص لكافة المشايخ الأفاضل.
السائل: ابو معاذ الليبي
المجيب: اللجنة الشرعية في المنبر:
بارك الله فيك أخي السائل ..
أولًا: قد بينا في فتوى سابقة برقم (1207) ؛ أن الدار بغلبة الأحكام عليها, ولا علاقة في الحكم على الدار بحال ساكنيها .. ومكة المكرمة هي دار من جملة هذه الديار. قال الشيخ حمد بن عتيق رحمه الله:"جرت المذاكرة في كون مكة بلد كفر, أم بلد إسلام .. إذا كان الشرك فاشيًا .. وصار التحاكم إلى الأئمة الظلمة, ونواب المشركين, وصارت الدعوة إلى غير القرآن والسنة, وصار هذا معلومًا في أي بلد كان؛ فلا يشك من له أدنى علم: أن هذه البلاد, محكوم عليها بأنها بلاد كفر, وشرك .. وإذا أردت إقامة الدليل على ذلك, وجدت القرآن كله فيه, وقد أجمع عليه العلماء, فهو معلوم بالضرورة عند كل عالم".اهـ [الدرر السنية 9/ 259 - 261 باختصار] .
ثانيًا: قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله:"فإن كون الأرض"دار كفر"أو"دار إسلام أو إيمان"أو"دار سلم"أو"حرب"أو"دار طاعة"أو"معصية"أو"دار المؤمنين"أو"الفاسقين"؛ أوصاف عارضة، لا لازمة، فقد تنتقل من وصف ٍ إلى وصف ٍ كما ينتقل الرجل بنفسه من الكفر إلى الإيمان والعلم، وكذلك بالعكس". اهـ [مجموع الفتاوى 27/ 45، وكرر هذا في ج 18 ص 282 - 284، وج 27 ص 143 - 144] .
وكذلك مكة المكرمة؛ فقد كانت في زمن إسماعيل عليه السلام وما بعده دار إسلام, [انظر تاريخ الطبري 1/ 314] . ثم صارت دار كفر, قال الإمام مالك رحمه الله عن مكة قبل الفتح:"وكانت الدار يومئذ دار حرب، لأن أحكام الجاهلية كانت ظاهرة يومئذ".اهـ [المدونة2/ 22] . ثم لما فتحها النبي محمد صلى الله عليه وسلم صارت دار إسلام.
ثالثًا: قال الحافظ ابن حجر رحمه الله:" (لا هجرة بعد الفتح) , أي فتح مكة؛ أو المراد ما هو أعم من ذلك, إشارة إلى أن حكم غير مكة في ذلك حكمها, فلا تجب الهجرة من بلد قد فتحها المسلمون".اهـ
فلا بد من التقدير في قوله صلى الله عليه وسلم: (لا هجرة بعد الفتح) أي: لا هجرة بعد فتح مكة حال كونها مفتوحة .. وكذلك: لا هجرة بعد فتح أي بلد حال كونها مفتوحة.
قال الإمام السيوطي رحمه الله:"قوله: (لا هجرة بعد فتح مكة) قالوا: الهجرة من دار الحرب إلى دار الإسلام باقية إلى يوم القيامة. وأولوا الحديث: بأن معناه لا هجرة من مكة بعد أن صارت دار إسلام".اهـ [شرح السيوطي لسنن النسائي] . والله أعلم.
أجابه، عضو اللجنة الشرعية:
الشيخ أبو همام بكر بن عبد العزيز الأثري