فهرس الكتاب
فأجاب الشيخ رحمه الله:"أن هؤلاء قوم قد أشربوا حب النصارى في قلوبهم، واستحضروا عظمة ملكهم، وصولتهم، ولاحظوا توفر الدنيا بأيديهم، التي هي حظهم من الدنيا والآخرة، وقصروا نظرهم إلى عمارة الدنيا، وجمعها، وأن النصارى أقوم لحفظها، ورعايتها، فإن كان القوم المذكورون جهالا يعتقدون رفعة دين الإسلام، وعلوه على جميع الأديان وأن أحكامه أقوم الأحكام، وليس في قلوبهم مع ذلك تعظيم الكفر، وأربابه، فهم باقون على أحكام الإسلام، لكنهم فساق مرتكبون لخطب كبير يجب تعزيرهم عليه وتأديبهم وتنكيلهم .. وإن كانوا علماء بأحكام الإسلام، ومع ذلك صدر عنهم ما ذكر، فيستتابوا، فإن رجعوا عن ذلك وتابوا إلى الله تعالى، وإلا فهم مارقون، فإن اعتقدوا تعظيم الكفر ارتدوا، وجرى عليهم أحكام المرتدين .. وظاهر الآيات والأحاديث عدم إيمان المذكورين، قال تعالى: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجهم من النور إلى الظلمات) ، فالآية تقتضي أن الناس قسمان: الذين آمنوا وليهم الله تعالى، أي لا غيره فليس لهم مولى دون الله، ورسوله. الله مولانا ولا مولى لكم، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، فلا واسطة، فمن اتخذ الطاغوت وليا من دون الله فقد خسر خسرانا مبينا، وارتكب خطبا جسيما، فليس إلا ولي الله أو ولي الطاغوت، فلا شركة بوجه من الوجوه البتة، كما تقتضيه الآية".اهـ [السيف البتار على من يوالي الكفار ص21 - 22] .
فليس العلم إلاّ علامة وشعار لمن يرمز لهم، ومن أحبه وعلقه ونشره أو اتخذه شعارًا؛ فإن هذا كله علامة على أنه محب أو موال للدول التي يرمز إليها ..
فحذار من ذلك فإنه مما يتعارض مع أوثق عرى الإيمان؛ والواجب الشرعي على الموحد أن يبغض هذه الأعلام والرايات الجاهلية التي ترمز إلى الدول الكافرة والحاكمة بغير ما أنزل الله وأن لا يرفع أو يفتخر إلا براية التوحيد ..
وقد سئل الشيخ عبد الله بن عبد اللطيف آل الشيخ محمد بن عبد الوهاب عمن يرفع عَلَم الدولة الكافرة في سفينة لئلا تهاجم سفينته أو تقطع طريقها.
فأجاب رحمه الله تعالى بقوله:(وأما الدخول تحت حماية الكفار فهي ردة عن الإسلام.
وأخذ عَلَم منها لا يجوز إذا كانوا لم يدخلوا تحت حمايتهم وولايتهم وليس بمنزلة أخذ الخفير لحماية المال فإن هذا علم وعلامة على أنهم منقادون لأمرهم داخلون في حمايتهم وذلك موافقة لهم في الظاهر)اهـ. من الدرر السنية جزء المرتد: ص (145) .
وأما رفع الأعلام التي تتضمن الصلبان, فهو -عندي- عمل مكفر, ولكن لا يُصار إلى تكفير المقدور عليه إلا بعد إثباتين:
الإثبات الأول: أن يُثبت له أن ما تتضمنه هذه الأعلام والرايات صلبان وليس تصاليب -وهي الخطوط المتقاطعة-. وقد روي عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت:"لم يكن رسول الله صلى الله عليه وسلم يترك في بيته شيئًا فيه تصليب إلا نقضه". قال شيخنا ابن جبرين -غفر الله له-:"وكذا إذا لم يكن صليبا واضحا كالرسوم والنقوش التي توجد في الفرش واللحف التي لا يتضح كونها صليبا، ومع ذلك فعلى المسلم الحذر والانتباه لحيل النصارى في شعارهم وما يعظمونه".اهـ
الإثبات الثاني: أن يُثبت له أن تعليق الصليب عمل محرم كفري, وراجع"نفح الطيب, في حكم لبس الصليب"ضمن كتاب:"المطر الوابل, في إجابة السائل"للعبد الفقير.