فهرس الكتاب
قال الشيخ الوالد محمد إبراهيم شقرة حفظه الله:"إن آيات ثلاثًا من سورة الواقعة، يقرؤها الناس، ويحملونها على غير معناها، ويتأولونها تأويلًا بعيدًا عن وجوه العربية الصحيحة, وهي قوله سبحانه: (إنه لقرآن كريم في كتاب مكنون لا يمسه إلا المطهرون) . وينشئون من هذا التأويل حكمًا شرعيًا، وهو أنه لا يجوز لغير المتوضئ أن يمس المصحف، ويؤكدون هذا الحكم بقوله صلى الله عليه وسلم: (لا يمس القرآن إلا طاهر) . ويحسن بنا-أولًا- أن نفسر هذه الآيات بذكر صريح أسماء الإشارة والضمائر، وبيان ما تعود إليه .. وننقل هنا ما قاله الإمام مالك في (الموطأ) (1/ 199 - برواية يحيى بن يحيى الليثي) قال: (أحسن ما سمعت في هذه الآية؛(لا يمسه إلا المطهرون) أنها بمنزلة هذه الآية التي في (عبس وتولى) قول الله تعالى: (كلا إنها تذكرة فمن شاء ذكره. في صحف مكرمة. مرفوعة مطهرة. بأيدي سفرة. كرام بررة) . والمقصود بالكتاب المكنون هو: اللوح المحفوظ، وقد جاء الجار والمجرور في: (في كتاب مكنون) بين الآيتين، مما يُحَتِّم أن يكون الضمير في قوله: (يمسه) عائدًا إلى أقرب مذكور قبله، وهو (كتاب) ، وعود الضمير إلى: (قرآن) بعيد جدًا، بل خطأ جدًا؛ لأن القاعدة المعروفة في اللغة تقول: (إن الضمير يعود إلى أقرب مذكور) ، وأقرب مذكور هنا هو كلمة (كتاب) الموصوف بـ: (مكنون) . وإذا ظهر انطباق هذه القاعدة اللغوية النحوية المعروفة على هذه الآية، علمنا فسادَ قول من يقول بما هو شائع على ألسنة العامة والخاصة: إن نفي المس عائد إلى (قرآن) ؛ وذلك لعدم انضباطه مع قواعد اللغة العربية. ثم إن كلمة (المطهرون) ، ومعناها: الملائكة؛ كما ذكر ابن كثير -رحمه الله- تدل في أصل وضعها على أن صفة الطهر صفةٌ كونية، قائمة بالملائكة، وليست صفة كسبية من كسب أنفسهم، إذ لو أراد الله سبحانه أن يصفهم بصفة من كسبهم لقال: (لا يمسه إلا المتطهرون) ، وليس في القراءت -حتى الشاذ منها- هذه القراءة، ولا ما يؤيدها. ونحن نشاهد أن المصحف يمسه المتطهر وغير المتطهر،"
وإذ الأمر كذلك علمنا بيقين أن الله سبحانه لم يعن المصحفَ، وإنما عنى كتابًا آخر، وهو الذي وصفه بقوله: (مكنون) ، وهو اللوح المحفوظ. ثم إن قوله تعالى: (لا يمسه إلا المطهرون) ليس أمرًا، وإنما هو خبر، ولا يجوز صرف الخبر عن ظاهره إلى معنى الأمر إلا بنص جلي، أو إجماع متيقَّن؛
كما يقول ابن حزم - رحمه الله في (المحلى) (1/ 77) - .. لو أن الله سبحانه أراد بما أخبر أن يحفظ القرآن من مس غير المؤمن، أو من المؤمن غير المتوضئ، لجعله مُحْرَزًا من ذلك بأي سبب يُحْرَزُ به، فيكون شأنه في المس حفظًا كشأنه في الضبط والكمال الذي قال فيه: (وإنا له لحافظون) ، فكان لله سبحانه أن يقدِّر لكتابه من أسباب الحفظ أن يمسه غير المؤمن أو المؤمن غير المتوضئ ما قدَّر له من أسباب الحفظ من النقص أو الزيادة عليه. إذًا؛ فيكون الإخبار إخبارًا عن شيء للقرآن لا يكون في الأرض قطعًا، وإنما يكون في السماء، قبل تنزله التنزل الثاني إلى بيت العزة في السماء الدنيا، ألا وهو الكتاب الذي حُفظ فيه القرآن عند التنزل الأول في اللوح المحفوظ".اهـ [انظر: كتاب: لا يمسه إلا المطهرون] ."
واستدل المانعون -كذلك- بعدد من الأحاديث المرفوعة والموقوفة, لكن هي كما قال شيخنا العلامة عمر الحدوشي فك الله أسره:"وكل ما ذكره المانعون من الأحاديث والآثار فهي ضعيفة غير مستقيمة أنكرها الحفاظ- أحاديث كلها مسلسلة بالضعفاء والكذابين والوضاعين- لا تساوي شربة ماء عند أهل هذا الفن".اهـ [إعلام الخائض ص42] .