فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 265

101 -ما الفرق بين سجود التحية وسجود العبادة؟ (رقم السؤال: 3290) :

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته ..

شيخنا الغالي هل يوجد فرق بين سجود التحية وسجود العبادة؟

قال الإمام الشوكاني في السيل الجرار: وأما قوله (ومنها السجود لغير الله) فلا بد من تقييده بأن يكون سجوده هذا قاصدًا لربوبية من سجد له، فإنه بهذا السجود قد أشرك بالله عز وجل وأثبت معه إلهًا آخر، وأما إذا لم يقصد إلا مجرد التعظيم كما يقع كثيرًا لمن دخل على ملوك الأعاجم أنه يقبل الأرض تعظيمًا له، فليس هذا من الكفر في شيء. اهـ

اللهم انصر إخواننا المجاهدين في كل مكان.

السائل: abumoshab-abc

المجيب: اللجنة الشرعية في المنبر

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته ..

أخي السائل:

اعلم أن سجود التحية شيء, وسجود العبادة شيء آخر؛ فالأول -أي: سجود التحية- من الفروع التي كانت مباحة في شرع من قبلنا, ونُسخت في شرعنا:

قال الله تعالى: (فَلَمَّا دَخَلُوا عَلَى يُوسُفَ آَوَى إِلَيْهِ أَبَوَيْهِ وَقَالَ ادْخُلُوا مِصْرَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آَمِنِينَ * وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا) [يوسف: 99 - 100] .

قال العماد ابن كثير رحمه الله:"وقد كان هذا سائغًا في شرائعهم، إذا سلموا على الكبير يسجدون له، ولم يزل هذا جائزًا من لدن آدم إلى شريعة عيسى عليه السلام، فحرم في هذه الملة وجعل السجود مختصا بجناب الرب سبحانه وتعالى، هذا قول قتادة وغيره".اهـ [تفسير القرآن العظيم 4/ 412] .

وقال الإمام القرطبي رحمه الله:"والأكثر أنه كان مباحًا إلى عصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأن أصحابه قالوا له حين سجدت له الشجرة والجمل: نحن أولى بالسجود لك من الشجرة والجمل الشارد، فقال لهم: (لا ينبغي أن يسجد لأحد إلا لرب العالمين) ".اهـ [تفسير القرطبي 1/ 293] .

وقد ذكر قريبا من هذا القول"الجصاص"في أحكام القرآن 1/ 37 - 38, وغيره.

وأما الثاني -أي سجود العبادة- فهو من الأصول, التي اتفق جميع الأنبياء على تحريمها .. وهو شرك محض، منصوص عليه في جميع الشرائع.

جاء عند أهل الكتاب في سفر دانيال (3/ 1 - 30) :"أن نبوخذ نصر صنع تمثالا من ذهب، وطلب من الشعب عندما يسمعون صوت العزف أن يسجدوا للتمثال ومن لا يسجد يلقى في وسط أتون النار، ولما سجد الناس أبى أصحاب دانيال الثلاثة السجود للتمثال، فهددهم الملك بالنار، فثبتوا وقالوا: إلهنا الذي نعبده ينجينا من النار وينقذنا من يدك، ونحن لا نعبد آلهتك ولا نسجد لتمثال الذهب الذي نصبته ..".إلخ

وقال الله تعالى: (وَمِنْ آَيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) [فصلت: 37] .

قال الإمام النووي رحمه الله:"والأفعال الموجبة للكفر هي التي تصدر عن تعمد واستهزاء بالدين صريح؛ كالسجود للصنم، أو الشمس ..".اهـ [النووي 7/ 283] .

وقال الإمام الغزالي رحمه الله:"يعرف اعتقاده تعظيم الصنم تارة بتصريح لفظه، وتارة بالإشارة إن كان أخرسا، وتارة بفعل يدل عليه دلالة قاطعة كالسجود حيث لا يحتمل أن يكون السجود لله".اهـ [الاقتصاد في الاعتقاد 1/ 83] .

والتفريق بين سجود التحية, وسجود العبادة؛ يكون بالقرائن, فالسجود للصنم أو للشمس أو للقمر أو لصليب النصارى هو سجود عبادة, بينما السجود لمعظم كالأب أو العالم أو السلطان فيحتمل, لذلك يُرجع فيه إلى قصد الساجد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت