الصفحة 138 من 529

تقريظ: بقلم تلميذ المؤلف الدكتور الخفي [1] بعنوان:

(غضاض الزَّهَر في رياض الشيخ عمر) .

بسم الله الرحمن الرحيم.

الحمد رب العالمين ناصر المظلومين في كل زمان وحين، والصلاة والسلام على إمام المرسلين، سيدنا محمد المبعوث إلى الثقلين، وعلى آله وصحابته الغر الميامين.

أما بعد:

فشاء الله أن أتعرف على شيخنا المبتلى في رحلة سفر طويل، وأعجبت به وبنبوغه الكبير، فطلبت من أحد رفقائه أن يقدمني للشيخ أبي الفضل حتى أستفيد منه وأكون تلميذًا له.

فوافق الرفيق، وتم تعارفٌ بيننا في جلسة (شاي) بنادٍ يسمى (نادي الأدباء) . وطلبت من الشيخ أن يقدم لي يد المساعدة للحصول على درجة الدكتوراه فوافق ووفَّى، وخرج لي كل أحاديث البحث بيده الكريمة، وفتح لي باب مكتبته حتى حصلت على درجة الدكتوراه، وفي الحقيقة والله يعلم أنه هو -بعد الله-السبب في الحصول عليها، وأنا مدين للشيخ بحياتي، فما أنا فيه الآن من (الرفاهية) ! والحظوة والحفاوة والوظيفة: هو من أوصلني إليها، ورفض أن أكتب اسمه في (الإهداء) .

على أن المشروع هو صاحبه، وأحببته كثيرًا، والشيخ أصغر مني سنًا، وأكبر مني علمًا، ولعل الشيخ إن قرأ هذا التقريظ يتذكرني، وقد قررت أن لا أصرح باسمي أسوة بشيخنا أبي الفضل عمر الحدوشي-عجل الله فرجه- حيث رفض أن يُكتب اسمه: (في الإهداء) على المشروع الذي قام به هو ولستُ أنا، نعم، كتب اسمي عن المشروع ... لا تعجب فالحق أحق أن يقال!!!.

وقد أسميت هذا التقديم بـ (غضاض الزَّهَر في رياض الشيخ عمر) ... وهنا أود أن أذكر فضيلة شيخنا بقصة أصحاب الأخدود، وقصة أبينا إبراهيم، ويوسف المبتلى-عليهما السلام-، ومحمد المرتضى، وصحبه المجتبى، وامرأة فرعونة الصابرة، ولائحة المبتلين في الله طويلة، وشيخنا أعلم بها مني، والله يا شيخنا الحبيب لقد أحببناكم في الله واستحكمت محبتكم في قلوبنا عند ما سجنتم ظلمًا من طرف الاشتراكيين المنتقمين من الإسلام وأهله، -وقد كنت في مهمة بلندن ورأيت صورتكم مرفوعة في مظاهرة أمام السفارة المغربية، وقلت: سبحان الله! ربَّ ضارة نافعة، أصبح شيخنا مشهورًا عالميًا، وإن كنت أعلم ليس ممن يحب أن يعمل في الأضواء-يا شيخنا لا نزال نحبكم إلى أن نلقى الله ما دمتم على الهدي سائرين، وللبدعة قامعين، متأدبين بآدابكم، ومتخلقين بأخلاقكم، ومنكم سمعنا في درس ألقيتموه بعنوان: (حرمة أهل العلم، وآداب طلبته) قولَكم: (بأن ابن جماعة الكناني قال: ليعلم طالب العلم أن ذله لشيخه عز، وأن خضوعه له فخر، وتواضعه له رفعة، وعلى طالب العلم أن ينظر إلى شيخه بعين الإجلال، فإن ذلك أقرب إلى نفعه به، وكان بعض السلف إذا ذهب إلى شيخه تصدق بشيء وقال: اللهم استر عيب شيخي عني، ولا تُذْهِبْ بركة علمه مني) [2] .

وكذا ذكرتم أن الشعبي قال: (صلى زيد بن ثابت على جنازة، ثم قربت له بغلة ليركبها، فجاء ابن عباس فأخذ بركابه، فقال له زيد: خلِّ عنه يا ابن عم رسول الله، فقال ابن عباس: هكذا يفعل بالعلماء والكبراء) . وأن ابن عباس قال: (ذللت متعلمًا فعززت عالمًا) . هذا أدب ابن عباس مع العلماء وهو من هو، ولذلك هيأ الله له طلبة وأتباعًا متأدبين معه، متواضعين له، أمثال: مجاهد، وعكرمة، ونافع، وغيرهم.

وكان الشافعي آية في الأدب مع شيوخه، حتى عوتب في ذلك، فقال:

أهين لهم نفسي فهم يكرمونها ... ولن تُكْرِم النفس التي لا تهينها [3]

ذكر النووي أن الشافعي قال: (كنت أصفح الورقة بين يدي مالك صفحًا رقيقًا هيبة له؛ لئلا يسمع وقعها) [4] . وصدق من قال:"ازرع تحصد"، مهما تأدبت مع شيخك تأدب معك تلامذتك، يقول الربيع بن سليمان تلميذ الشافعي: (والله ما اجترأت أن أشرب الماء، والشافعي ينظر؛ هيبة له) [5] . ولله در القائل:

طهرتمْ فَطُهِّرنا بفاضِل طُهْرِكم ... وطبتم فمن أنفاس طيبكم طبنا

وهذا جبل السنة، وإمام الجماعة أحمد بن حنبل-يدعو لشيخه الشافعي أربعين سنة في كل صلاة يصليها ويسمعه ابنه فيسأله من يكون هذا الشافعي الذي تخصه بالدعاء في كل صلاة- فأجابه قائلًا هو: (كالشمس للدنيا، وكالعافية للناس، فهل لهذين من خلف؟ أو: منهما من عوض؟) . وقال عمرو الناقد: (كنا عند وكيع، وجاء أحمد بن حنبل فقعد، وجعل يصف من تواضعه بين يديه، قال عمرو: فقلت: يا أبا عبد الله، إن الشيخ يحترمك فما لك لا تتكلم؟ قال: وإن كان يكرمني فينبغي لي أن أجله) . وقال قتيبة بن سعيد: (قدمت بغداد، وما كان لي همة إلا أن ألقى أحمد بن حنبل، فإذا هو قد جاءني مع يحيى بن معين، فتذاكرنا، فقام أحمد ابن حنبل، وجلس بين يدي وقال: أمل علي هذا، ثم تذاكرنا، فقام أيضًا وجلس بين يدي، فقلت: يا أبا عبد الله، اجلس مكانك، فقال: لا تشتغل بي، إنما أريد أن آخذ

(1) -الخفي: هو الخامل الذكر، المعتزل عن الناس الذي يخفي عليهم مكانه ليتفرغ للتعبد. (المسند) (3/ 52) ط: مؤسسة الرسالة.

(2) -وقلتم: انظروا: (تذكرة السامع والمتكلم) (ص:87) . ففيه ما يقوم سلوك الطالب المعوج.

(3) - انظر: (فضل العلم) (129/ 130) لمحمد سعيد رسلان.

(4) -انظر: (المجموع) (1/ 36) .

(5) -انظر: (الآداب الشرعية) لابن مفلح (1/ 226) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت