الصفحة 73 من 529

قال ابن المسيب: (ليس من عالم ولا شريف ولا ذي فضل،-يعني من غير الأنبياء عليهم الصلاة والسلام-، إلا وفيه عَيب. ولكن من الناس مَن لاينبغي أن تُذكر عيوبه، فمن كان فضله أكثر من نقصه وُهِب نقصه لفضله) [1] .

ثم إنه: (لا يجوز كلام الرجل على غيره إلا لمقصد شرعي وفي حدود الحاجة والضرورة، وإلا كان ذلك غيبة) ، وعلماء الجرح والتعديل-أنفسهم-اشترطوا شروطًا لمن يريد تقويم غيره وإصدار الأحكام عليه، حيث قالوا: (يشترط فيه أن يكون عارفًا بحال المترجم علمًا ودينًا وغيرهما من الصفات، وهذا عزيز جدًا، وأن يكون حسن العبارة، عارفًا بمدلولات الألفاظ حسن التصور، بحيث يتصور حين ترجمة الشخص جميع حاله، ويعبر عنه بعبارة لا تزيد عنه ولا تنقص، وأن لا يغلبه الهوى، فيخيل إليه هواه أن يسلك معه طريق الإنصاف، وإلا فالتجرد عن الهوى عزيز، فهذه أربعة شروط) .

وزاد بعضهم: (الورع والتقوى وعدم الأخذ بالتوهم والقرائن التي تختلف وترك المجازفة-قال ابن دقيق العيد: ما تكلمت بكلمة أو: فعلت فعلًا إلا وأعددت له جوابًا بين يدي الله سبحانه) [2] .

ما أجمل هذه الكلمة التي قالها الحافظ ابن دقيق العيد! ومن طبقها يرجى له الصواب والتوفيق والتسديد.

وقد قال مسلم في (مقدمة صحيحه) عند الكلام على طبقات الرواة: (فلا يقصَّر بالرجل العالي القدر عن درجته، ولا يرفع متضع القدر في العلم فوق منزلته، ويعطي كل ذي حق فيه حقه، وينزَّلُ منزلته، وقد ذكر عن عائشة-رضي الله عنها-أنها قالت: أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل الناس منازلهم) [3] .

(1) -انظر: (جامع بيان العلم وفضله) (2/ 821/رقم:1540) ، و (الإعلان) (ص:126/ 127) . أو: (ص:84/ إلى:94) تحقيق: محمد عثمان الخُشت.

(2) -انظر: (الإعلان بالتوبيخ) (ص:123/ 124/130/ 132) للسخاوي. أو: (ص:90/ 91) . وله كلمة أخرى حكيمة يقول فيها: (أعراض المسلمين: حفرة من حفر النار، وقف على شفيرها طائفتان من الناس: المحدثون والحكام) . (الاقتراح) (ص:144) ، و (الجرح والتعديل) (37) للشيخ إبراهيم اللاحم.

(3) -وحديث عائشة هذا حسنه السخاوي وغيره. وذكره الإمام مسلم في (المقدمة) (1/ 6) ، ورواه أبو داود في (سننه) (رقم:4842) ، قال السخاوي في (الإعلان) (ص:88) : (يعني من الخير والشر ولا يحكي مما لعله يتفق لذوي الوجاهات والولايات من أرباب الدولة من الضرب والسجن والإهانة ونحوها، إلا ما يضطر لإيراده ... ) . وقال معاذ ابن جبل-رضي الله عنه-: (أنزلوا الناس منازلهم من الخير والشر، وأحسِن أدبهم على الأخلاق الصالحة) . رواه الخرائطي في (مكارم الأخلاق) ، انظر: (كشف الخفاء) (رقم:229) . والحديث سيأتي تخريجه قريبًا إن شاء الله.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت