ذلك أن الفكر الإرجائي كما فعل بالإيمان ، فجعله مجرد التصديق والإقرار ، وجرّده من العمل ، فكذلك فعل بالإنكار بالقلب فجعله أمرا مستسرا في داخل القلب ليس له واقع سلوكي يعرف به .
يقول الإمام الغزالي - مع أنه رجل صوفي - في بيان حقيقة الإنكار بالقلب:
"وعن عكرمة عن ابن عباس - رضي الله عنهما - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا تقفن عند رجل يقتل مظلوما فإن اللعنة تنزل على من حضره ولم يدفع عنه . قال: وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"لا ينبغي لامرئ شهد مقاما فيه حق إلا تكلم به ، فإنه لن يقدم أجله ولن يحرمه رزقا هو له"
وهذ الحديث يدل على أنه لا يجوز دخول دور الظلمة والفسقة ، ولا حضور المواضع التي يشاهد المنكر فيها ولا يقدر على تغييره ، فإنه قال اللعنة تنزل على من حضر . ولا يجوز له مشاهدة المنكر من غير حاجة اعتذارًا بأنه عاجز" (1) "
ومن أجل هذا المعنى استحقت المجاهدة بالقلب أن تسمى"مجاهدة"- أي أن تدخل في باب الجهاد - واستحقت أن تكون"إيمانا"ولو في الحد الأدنى منه ، واستحقت أن تكون حاجزا بين الإنسان وبين غضب الله . أما الإنكار بالقلب على طريقة المرجئة ، فهو كالإيمان على طريقة المرجئة ، لا يستحق أن يلتفت إليه ، ولا يسمن ولا يغني من جوع !
والآن نأتي إلى النقطة الأخيرة في هذا الفصل ، وهي طريق الخلاص ..
حين نقول للناس إن طريق الخلاص هو تصحيح المفاهيم الإسلامية - وبصفة خاصة مفهوم لا إله إلا الله - يفتح كثير من الناس أفواههم من العجب .. وينكر كثيرون !
فعند بعض القوم أن طريق الخلاص هو محاربة الفقر والجهل والمرض . هو البناء الاقتصادي المتين . هو إيجاد الطعام لكل جائع ، والعمل لكل عامل . والتعليم لكل متعلم ..
وعند بعضهم هو إزالة التخلف الحضاري والمادي والعلمي والتكنولوجي ..
(1) إحياء علوم الدين المجلد الثالث الجزء السابع ص 9 ، دار الفكر العربي .