الصفحة 105 من 272

( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ) (1) .

وميزان الله ، المبينة قواعده في كتاب الله المنزل ، يقول: إن الحكم نوعان لا ثالث لهما ، إما حكم الله وإما حكم الجاهلية:

( أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْمًا لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ) (2)

فهناك إذن مظلة جاهلية تظلل الناس في واقعهم المعاصر .. هي الحكم بغير ما أنزل الله . والناس جميعا واقفون تحت هذه المظلة ، تشملهم بظلها الكئيب الناشز عن أمر الله ، ولكنهم في ميزان الله فريقان مختلفان: فمن رضي بالمظلة الجاهلية فهو منها ، ومن أنكرها وكرهها وجاهدها فهو المقبول عند الله ، بحسب درجته من المجاهدة ، ودرجته من الإنكار .

هذا هو الميزان الرباني الذي لا يملك أحد تغييره بحسب هواه .

( وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ ) (3)

ولكن هذا القدر من المعرفة بميزان الله لا يكفي حتى نعرف معنى المجاهدة بالقلب ، وهي الحد الأدنى من العمل الذي يحفظ الناس في إطار الإيمان حين تكون شريعة الله غير قائمة في الأرض ، والذي ليس وراءه من الإيمان حبة خردل ، فإن كثيرا من الناس - بتأثير الفكر الإرجائي - صارت تحسب أنه يكفي في المجاهدة بالقلب - أو الإنكار بالقلب - أن يقول الإنسان بلسانه: اللهم إن هذا منكرا لا يرضيك ! أو أن يعتقد في قرارة قلبه أن هذا منكر لا يرضي الله ، ثم يكون سلوكه مع هذا المنكر بعد ذلك هو نفس سلوك الراضي به ، المقبل عليه !

(1) سورة الحديد [ 25 ] .

(2) سورة المائدة [ 50 ] .

(3) سورة الأحزاب [ 36 ] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت