"إنه يستعمل عليكم أمراء فتعرفون وتنكرون . فمن كره فقد برىء ، ومن أنكر فقد سلم ، ولكن من رضى وتابع" (1) .
فالحديث الأول يثبت الإيمان - بدرجات مختلفة - لكل من جاهد حكم الجاهلية بيده ، أو بلسانه ، أو بقلبه ، وينفيه نفيا حاسما عما وراء ذلك . والحديث الثاني ينفي الإيمان كذلك عن كل من رضي عن حكم الجاهلية وتابعه .
ومن المعلوم جيدا عند كل من يتدبر كتاب الله وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - أنه إذا ذكر لفظ الإيمان والإسلام معا في نص واحد فالمقصود بالإيمان عمل القلب وبالإسلام عمل الجوارح . أما إذا ذكر أحدهما فهو شامل لكليهما سواء في الإثبات أو النفي . أي أن النفي الحاسم المذكور في الحديث ينفي الإسلام والإيمان معا في ذات الوقت ، لا كما يقول المتمحكون إنه ينفي الإيمان ولكنه لا ينفي الإسلام ، مخالفين بذلك ما أجمع عليه علماء هذا الدين !
أما مظهرية الإسلام في الحياة الدنيا فشرطها - إلى جانب قول لا إله إلا الله محمد رسول الله - عدم التحاكم إلى الطاغوت عن رضى ومتابعة ، لأن ذلك التحاكم ينقض لا إله إلا الله نقضا ، ولا يبقي لها واقعا يعتد به حتى في إثبات مظهرية الإسلام .
ولسنا نقول هذا لنصدر به حكما على أحد من الناس ، فليس في وسعنا - ولا هو من شأننا - أن نشق صدور الناس لنعلم هل هم يتابعون حكم الطاغوت عن رضى وإرادة ، وتسليم بأحقيته في الحكم بدلا من شريعة الله ، أم هم مكرهون كارهون ، يرغبون في تحكيم شريعة الله ولكنهم لا يستطيعون . إلا من أظهر بلسانه أو بواقعه انتماءه إلى فكر جاهلي يدعو إلى تحكيم شريعة غير شريعة الله أو ظهر من حاله أن أمر الدين لا يهمه ، وأنه يستوي عنده أن تحكم شريعة الله أو شريعة الطاغوت .
إنما نقول ذلك ليعرف الناس أين هم في ميزان الله ..
(1) أخرجه مسلم .