فهرس الكتاب
( قُلْ إِنَّ صَلاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لا شَرِيكَ لَهُ .. ) (1)
( وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْأِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ ) (2) .
وفي هذا المفهوم لا يمكن أن تنفصل الشعائر التعبدية عن العمل ، ولا الدنيا عن الآخرة . لذلك كانت الحياة في حسهم حلقة متصلة لا انفصام فيها بين جزء وجزء . الصلاة فيها والنسك ، والطعام والشراب والجنس ، والقتال في سبيل الله ، والسعي وراء الرزق ، وطلب العلم ، وعمارة الأرض .. كلها عبادة ، وكلها للدنيا والآخرة في آن . وكل لحظة واعية تمر بالإنسان في نهاره أو ليله ، وكل عمل يقوم به - متوجها فيه إلى الله ، وملتزما فيه بما أنزل الله - فهو لون من ألوان العبادة ، متصل بعضها ببعض ، وهو على الدوام يتنقل من عبادة إلى عبادة ، تحقيقا لغاية الوجود الإنساني ، التي تشمل وجوده كله ، وتوجهه إلى الله .
وإذا كانت الشعائر التعبدية من صلاة وزكاة وصيام وحج ذات صبغة روحية غالبة ، فليس معنى ذلك أنها هي وحدها العبادة ، ولا أنها للآخرة منقطعة عن الدنيا ، فلكل منها مقتضىً لا بد أن تحققه في الحياة الدنيا . الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ، والزكاة تطهر النفس والمال ، والصيام يدرب على التقوى ، والحج يدعو إلى البر .. وهكذا تصبح كلها للدنيا والآخرة في آن .
وإذا كانت الأعمال الأخرى التي يقوم بها الإنسان في حياته ذات صبغة عقلية أو حسية غالبة ، فليس معنى ذلك أنها خارجة من نطاق العبادة بمعناها الواسع الشامل ، ما دام يتوجه فيها إلى الله ، ويلتزم فيها بأوامر الله . ومن ثم فهي ليست للدنيا وحدها منقطعة عن الآخرة .
ومن مجموع حياة الإنسان ، ومن مجموع نشاطه على الأرض ، تتكامل العبادة التي يحقق بها غاية وجوده ، وتتصل في حسه الدنيا والآخرة بلا افتراق (3) .
(1) سورة الأنعام [ 162 - 163 ] .
(2) سورة الذاريات [ 56 ] .
(3) راجع فصل"مفهوم العبادة".